ما يجري في سورية هو أخطر وأقدر مشروع في التأريخ.. بوصلة المواقف..!

جليل هاشم البكاء

لم تكن الحرب في سورية صراعًا عابرًا على السلطة، ولا انتفاضةً شعبية أخطأت طريقها، بل كانت منذ اللحظة الأولى حلقة في مشروع عالمي بالغ الخطورة والدقة، هدفه الرئيسي تحويل سورية إلى أكبر معسكر مفتوح لتجميع وتدريب وتدوير الجماعات الإرهابية في العالم. مشروع لم تتبنّه فقط قوى إقليمية تبحث عن دور، بل رعته وأشرفت عليه أجهزة المخابرات العالمية الكبرى، وموّلته دول عربية غنية حولت أموال شعوبها إلى وقود لتمزيق دولة عربية مركزية، وتمرير مشروع أبعد من حدود الشام.

هذا المشروع لم يكن ارتجالًا. لقد صُمّم بعناية ليجعل من الأرض السورية نقطة التقاء لمئات التنظيمات التكفيرية، بعضها معروف وبعضها لم يُكشف اسمه بعد. كل جماعة لها دور، وكل فصيل له وظيفة. أما الغاية، فهي خلق بيئة فوضوية دائمة تُستخدم كذريعة للتدخل، وكقاعدة لتصدير الإرهاب إلى كل بقعة تعارض الهيمنة الغربية أو تحاول الحفاظ على قرارها السيادي.

وفي قلب هذا المشروع، تمّ التوافق على دور حيوي وخطير لإسرائيل: أن تكون يد العقاب. من يخرج عن النص، من يتفلّت من الطاعة، من يحاول تحويل البندقية باتجاه المشروع الأكبر بدل خصوماته الفرعية، تُرسل إليه الطائرات الإسرائيلية. ضربات محسوبة، مدروسة، لا لإسقاط النظام، بل لإعادة ترتيب الصفوف بما يخدم استمرار هذا المعسكر المفتوح، ويمنع انحرافه عن الهدف الأساسي، وكسب ود وولاء الضحية، كما يحصل في السويداء.

ولكي يُمرّر هذا المشروع في المؤسسات الدولية، وكي لا يُنظر إلى سورية كدولة منهارة أو محتلة بالكامل، جرى الإبقاء على حكومة شكلية، معترف بها في الأمم المتحدة، تحضر القمم وتُلقي الخطب وتوقّع الاتفاقيات، لكنها منزوعة السيادة، مكبّلة الإرادة، لا تحكم إلا بما تسمح به خريطة المصالح المرسومة سلفًا.

بهذا الشكل، أصبحت سورية مسرحًا غير مسبوق في التأريخ: دولة بحدود، بلا سيادة؛ نظام موجود، بلا قرار؛ جيش يقاتل، لكنه محكوم بتفاهمات مع قوى تحتل الأرض والجو. شعب مشرّد بين المنافي والمخيمات، وتحت الرماد نار لا تنطفئ، تُؤجّجها كلما خمدت أيادي الاستخبارات وسماسرة الحرب وتجار العقيدة.

ما يحدث في سورية ليس مشروعًا عاديًا لإسقاط نظام أو خلق بديل، بل هو أخطر وأقدر مشروع شهدته المنطقة وربما العالم، لأنه يجمع بين الأدوات المحلية والانقسام الطائفي والتمويل المفتوح والتخطيط الاستخباراتي متعدد الجنسيات، وكل ذلك تحت غطاء من الشرعية الدولية والرهانات الإقليمية الكاذبة.

إن فهم هذا المشروع وإدراك أبعاده هو الخطوة الأولى في مواجهته، وإلا فإن ما جرى في سورية لن يكون نهاية المأساة، بل نموذجًا يُعمم على دول أخرى، تحت عناوين مختلفة، وبأسماء جديدة، لكن بالجوهر ذاته: تفكيك الدولة، وتحويلها إلى ساحة دائمة للقتل، باسم الديمقراطية تارة، وباسم مكافحة الإرهاب تارة أخرى.