أدهم الشبيب
بعيدا عن تشويه المدن وخنقها والقضاء على مساحاتها الخضراء بالدفع بالمساحات المخصّصة للتنفّس الى مستثمرين بشكل عشوائي لبنائها بالأبراج القبيحة الشكل للسكن بأسلوب لم تضطر إليه الدول المليارية السكّان لأجل عين المستثمرين الشركاء في قرار الدولة ، تبرز إلينا اليوم مشكلة استثمار عراقية جديدة ومبتكرة وهي “استثمار الجباية” ،
في الدول الأوربية من أقربها الينا تركيا الى أبعدها منا فنلندا والبرتغال طرق وجسور وملاعب كرة قدم يبنيها ويستحصل ريعها الإستثمار بالتعاقد مع الدولة التي لا تخسر درهما واحدا ، المواطن يستخدم الطريق والجسر وتلك الخدمات النفعية ويدفع مبلغا رسميّا واذا لم يشأ يذهب الى طريق آخر أقل مواصفات والى جسر أبعد مسافة مجانا ، ويدفع من يرغب بالإختصار الى حين استيفاء المستثمر أمواله وارباحها ثم يكون المرفق ملكا للشعب ينتفع منه بعد ذلك مجانا ، هذا رأيناه ووعيناه ولمسنا جدواه .
أما أن تعطي الدولة دائرة او مؤسسة ضمانية ضريبية رسمية لمستثمر ليفرض ما يشتهي على دخل المواطن الذي يدفع مجبرا أو يتغرّم فهذا لا يمكن ان تفعله دولة حقيقية ، ربّما يكون مقبولا من شركة خاصة جشعة اومجموعة تسليب او حزمة رجال ينهبون أموال الناس بالقوة ، لكن ليس من مؤسّسات دولة تحمي مواطنيها وتحرص عليهم .
مديرية المرور سلّمت من قَبل كاميرات المراقبة والسرعة ورصد المخالفات الى مستثمر وتقاسمت معه الأرباح فحصّلت تلك الغرامات بالملايين على الفرد الواحد ومنهم من باع سيارته ليسدد المستثمر وشريكه المسؤول الحكومي “علنا” دون أي تحرّك من مجلس النواب او من جهات قضائية لإلقاء القبض على المسؤول المتعاقد أو محاسبة الوزير المختص فهذه مخالفة للدستور كونها ليست مؤسسات خصخصة ،
واليوم تحال الدائرة التي تتابع شروط المتانة في السيارات الى مستثمر آخر ليشترط على المواطن ان يفحص دوريا كل عام بمبالغ كبيرة او يتغرّم مثلها ، وفحص المتانة هذا تفرضه الدول المتقدّمة والنامية كل سنتين للسيارات المشتغلة في الشارع وكل ثلاث سنوات للسيارة الحديثة الموديل والجهة المستوفية عندهم هي الدولة مباشرة ، وبهذا خالفت مؤسساتنا العالم بجهة الإستيفاء وبدوريّة الفحص وبالتسعيرة ، ففي تلك الدول تكون الخدمة بأسعار رمزية لأن الغرض هو التأكّد من متانة وسائط نقل المواطن والإطمئنان على سلامته وحياة الآخرين من حوله ولذلك يرغّبونه في الحضور عن طريق جودة الخدمة وسرعة إنجازها وطول الفترة بين المراجعتين ورمزية الأسعار والدولة بدورها تضمن الطرق الحديثة المجهّزة بالخدمات المساندة ، أمّا ان تسير على طريق دبّابات وتخضع لفحص سيارات وتَدفع أجور طيّارات فهذا في العراق فقط.
أدهم الشبيب 27 نيسان 2026