جنون نيسان: عيدٌ للفقراء والملوك
كتب رياض الفرطوسي
حين تدق ساعة الصفر في هولندا معلنةً فجر السابع والعشرين من نيسان، يحدث ما يشبه الانشقاق في الزمن؛ فالدولة التي عُرفت بـ “مسطرتها” الأخلاقية الصارمة وذهنيتها التي تقدس الثواني، تقرر فجأة أن تصاب بـ “جنون عاقل”. إنها اللحظة التي تخلع فيها المدن ثوبها الكالفيني الوقور لتغرق في بحر برتقالي هائج، وكأن نيسان قرر أن يسكب كل ضجيج الحياة في أزقة أمستردام ولاهاي. ليس “يوم الملك” مجرد استذكار لولادة حاكم، بل هو “العقد الاجتماعي” في أجمل تجلياته، حيث ينزل الملك من عليائه ليصافح رعاياه، لا كحاكم يبحث عن بيعة، بل كجار يشارك جيرانه لعبة “رمي الأكياس” أو تذوق كعكة البرتقال.
في هذا اليوم، تتحول الأرصفة إلى “أنطولوجيا” مفتوحة للحياة الهولندية. يخرج الناس، من أثرى الأثرياء إلى أسطح المنازل الفقيرة، ليفترشوا الأرض ويبيعوا “خردواتهم”. لكنها ليست خردة بالمعنى المادي، بل هي “قطع من الذاكرة”. هنا يبيع طفل لعبته التي كبر عليها، وهناك يبيع عجوز ديوان شعر لـ “يوست فان دن فوندل” قرأه في شبابه. إن الذهنية الهولندية التي تمجد الاقتصاد والادخار تتحول في هذا اليوم إلى فلسفة “التخلي”؛ فبيع الغرض القديم هو في الحقيقة إفساح مجال لحياة جديدة. بالنسبة لنا نحن الذين نعلق قلوبنا على جدران البيوت القديمة في بغداد والبصرة، ونقدس “العِشرة” مع الجمادات، يبدو هذا المشهد وكأنه دعوة للتحرر من ثقل الماضي بابتسامة تجارة عابرة.
تاريخياً، هذه الفوضى المنظمة هي ابنة “النظام الصارم”. الهولنديون الذين روضوا البحر وبنوا السدود بذكاء هندسي جاف، يدركون أن المجتمع يحتاج إلى “صمام أمان” ينفجر فيه الفرح. الأدباء الهولنديون لطالما تغنوا بهذا التناقض؛ حيث تسود قيم “القدرة على التنبؤ”، ثم يأتي يوم الملك ليعلن أن “اللا متوقع” هو سيد الموقف. تذوب الهويات في هذا اليوم؛ المهاجر الذي يسكن الضواحي يقف جنباً إلى جنب مع “الهولندي القح”، كلاهما يرتدي اللون البرتقالي الذي صار ديناً علمانياً يجمع القلوب. فلا فرق بين من يملك يختاً في القناة المائية ومن يملك “بسطية” صغيرة على حافة الطريق.
ما يهز الوجدان في هذه المناسبة، هو ذلك الدرس السياسي الصامت. إن قوة النظام هنا لا تستمد زخمها من هدير الطائرات أو الاستعراضات العسكرية التي تشوه وجه الساحات في بلداننا، بل من مشهد ملك يسير بلا حراسة مشددة، يضحك مع طفلة، ويقبل تحدياً في لعبة شعبية بسيطة. إنه انتصار للإنسان على الرمز، واحتفاء بالدولة التي لا تخاف من شارعها. في “جنون نيسان”، تكتشف أن الشعوب العظيمة هي التي تحول السياسة إلى فن عيش، والتاريخ إلى حفلة تنكرية، وتجعل من “الفقراء والملوك” شركاء في رقصة واحدة على إيقاع الأمل، معلنةً أن الحياة، برغم كل شيء، تستحق أن تُعاش بلون الشمس.
جنون نيسان: عيدٌ للفقراء والملوك