“صخب المنصات السياسية: بين جدية الطرح وفوضى الحضور”

الكاتب : د. أبو عبد الدليمي
—————————————
“صخب المنصات السياسية: بين جدية الطرح وفوضى الحضور”
بقلم: د. أبو عبد الدليمي

ما يحدث في هذه المجموعات والمنصات، التي يُفترض أنها منابر للفكر والتوجيه السياسي أو المجتمعي، هو تحوّل مثير للتأمل، لكنه أيضًا يدعو للقلق. فما بين ٤٠ إلى ٥٠ منشورًا في الساعة، تتساقط الكلمات كالمطر، لكن دون غيمة حقيقية تنذر بفكرة، أو برق يلمع بوعي!

السبب؟
قد يكون “الفراغ” هو بوابة الدخول الأولى لهذا الزخم غير المنضبط؛ فراغ في الوقت، وفراغ في المشروع، وأحيانًا فراغ في الذات. حين لا يكون للمنصة هدف واضح، ولا أفق مشترك، تصبح ساحة مفتوحة لكل من يريد أن يتكلم، فقط ليُقال إنه تكلم.

لكن الأدهى من ذلك، كما ذكرت، هو غياب الحس بالمسؤولية الفكرية: أن يُنشر الموضوع لا لمضمونه، بل لتوقيع الاسم تحته، وكأن الغاية هي الوجود الافتراضي لا المضمون الواقعي. ترى الواحد ينقل منشورًا دون أن يقرأه، أو يعيد نشر موضوعًا نوقش بالأمس وكأنما الزمن لا يتحرك… وكل ذلك يجعل المجموعات وكأنها دوامة: تدور، ولكن لا تتقدم.

لقد تحوّلت هذه المنصات إلى ما يشبه “المقهى الرقمي”: تجلس فيه، فيصلك كل شيء؛ السياسة، النكتة، الصورة، الشكوى، والشتم أحيانًا، لكن لا تجد فيها ما يُبنى عليه رأي، أو يُصاغ منه موقف.

والأخطر من ذلك أن هذه الضوضاء تجعل من الصعب تمييز الصوت الحقيقي… الصوت الذي يحمل مشروعًا، فكرة، أو حتى قلقًا أصيلًا. فالمهموم حقًا لا يصرخ، بل يشتغل. أما من لا مشروع له، فيرفع صوته لعله يُرى، لا ليُفهم.

إذن، هل الحل في المغادرة؟ لا، بل في “الفرز”.
فرز المنصات التي تستحق البقاء فيها، وفرز الأصوات التي تحمل مشروعًا حقيقيًا. من حقك أن تصون وقتك، ومن واجبك أن تبحث عن المساحات التي تُنضج فكرك، لا تلك التي تستهلكه.

علينا أن نعيد تعريف معنى الحضور الرقمي في سياقاتنا السياسية والاجتماعية:
ليس من كتب أكثر، ولا من صاح أعلى… بل من أثّر أعمق…
تحياتي