رياض الفرطوسي
ليس في الأمر حلمٌ ولا دعاية. إنها وقائع تتجسد، وأعمال تتوالى، وخططٌ لا تُعلَن في المؤتمرات فقط، بل تُنفّذ على الأرض، لبنةً فوق لبنة، ورؤيةً خلف أخرى. العراق اليوم لا يتكئ على ذاكرة النهوض فحسب، بل يشقُّ طريقه ليصنع واقعاً جديداً يليق بتاريخه، ويطمح لأن يكون جزءاً فاعلًا من مستقبل المنطقة.
في قلب بغداد، وتحديداً في المبنى الذي ظلّ طويلًا رمزاً للاحتجاج والانتظار والمراوحة، المعروف بالمطعم التركي، أُطلقت الأعمال التنفيذية لتحويله إلى المستشفى الإيطالي بسعة 103 أسرّة. هذه الخطوة ليست مجرد إعادة استخدام لبناية متروكة، بل إعادة توظيف للرمز، وإحياء لفكرة أن الأمكنة، كالبشر، يمكن أن تُبعث من رمادها حين تُراد لها الحياة. هذا التحوّل من ساحة احتجاج إلى مساحة شفاء ليس صدفة، بل رسالة: أن العراق يتعافى لا بقمع الصدمة بل بتحويلها إلى طاقة بناء.
لكن هذا المشروع، رغم رمزيته، ليس إلا ومضة من مشروع شامل بدأ يتشكل على امتداد الخريطة العراقية. 16 مستشفى جديداً أُطلقت أعمالها هذا العام فقط، ضمن خطة طموحة تستهدف زيادة الطاقة الاستيعابية للقطاع الصحي بأكثر من 1000 سرير في مختلف المحافظات. من الديوانية إلى نينوى، ومن البصرة إلى الأنبار، تشهد المدن إنجازات صحية تسابق الزمن. والهدف لا يتوقف عند تشييد البنايات، بل يمتد إلى تطوير الكوادر وتجهيز المعدات وربط المستشفيات بشبكات رقمية للمعلومات، في نهج طبي يدمج الإنسانية بالتكنولوجيا.
في قطاع التعليم، تُكتب قصة أخرى من الصبر والتحول. الحكومة شرعت بتنفيذ خطة لبناء 5000 مدرسة جديدة، وتأهيل آلاف الأبنية المتهالكة، كثير منها في القرى والمناطق المهمشة. غير أن الرؤية التربوية الجديدة لا تتوقف عند العمران، بل تمس المنهج والمعلم على حد سواء. البرامج الجديدة لإعداد الكوادر التربوية تشمل تدريب أكثر من 60 ألف معلم على طرق التدريس الحديثة، وتوفير أدوات تعليمية تفاعلية من الألواح الذكية والمختبرات العلمية إلى دعم التعليم المهني والتقني، بوصفه طريقًا لفرص العمل لا بوابة عبور متعثرة.
أما قطاع البنى التحتية، فهو يشهد اليوم استدارة نوعية. مشروع ميناء الفاو الكبير يتحوّل من حلم مُؤجّل إلى حقيقة تتبلور، بشراكات دولية وتمويل مستدام، بهدف تحويله إلى مركز لوجستي يربط الخليج بالمتوسط، ويختصر الزمن الجيوسياسي لحركة التجارة الدولية. يوازيه مشروع القطار المعلّق في بغداد، ومشروع سكك الحديد من أم قصر إلى زاخو، الذي يُراد له أن يكون العمود الفقري للنقل الحديث في العراق، وهو المشروع الذي سيربط المدن العراقية ببعضها ويربط العراق بتركيا وأوروبا.
وفي ملف الماء، ذلك العصب الغائب في خطط التنمية سابقاً، تتحرك الدولة بمسؤولية جديدة. مشاريع تحلية المياه في البصرة، وإنشاء محطات تصفية حديثة في بغداد والنجف والموصل، وصولًا إلى بناء سدود وتأهيل شبكات الري القديمة، تعبّر عن وعي استراتيجي بأن العراق لا يمكن أن ينهض دون أمن مائي حقيقي. ويُذكر أن أكثر من 120 مشروعاً مائياً أُطلق في العامين الأخيرين فقط، بعضها بتعاون مع شركات دولية متخصصة في إدارة الموارد المائية.
وفي مجال الطاقة، تضع البلاد اليوم أقدامها بثقة على مسار التنويع والاستدامة. مشاريع الطاقة الشمسية التي أُطلقت في محافظات مثل المثنى والأنبار وذي قار تجاوزت قدراتها الإنتاجية 750 ميغاواط حتى الآن، وتُخطَّط لبلوغ 2000 ميغاواط في غضون عامين. إلى جانب ذلك، يُعاد تأهيل محطات الكهرباء الحرارية، وتطوير شبكة النقل والتوزيع، ما أسهم في خفض ساعات الانقطاع بشكل ملحوظ في صيف 2025 مقارنة بالسنوات السابقة.
أما قطاع الاتصالات، فيُعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة. مشروع الألياف الضوئية (FTTH) وصل حتى الآن إلى أكثر من مليون منزل، ما ساعد في تسريع الخدمات الإلكترونية، وتطوير منصات الدولة الرقمية. ويمكن القول إن العراق في طريقه ليكون بيئة متقدمة للأعمال والخدمات الذكية، حيث أُطلقت منصات رقمية في وزارات الداخلية والعدل والصحة والتعليم، لتقليل البيروقراطية وتسهيل الوصول إلى الخدمة.
وفي مجال النقل الجوي، تتابع الحكومة تطوير مطاراتها المحلية والدولية. مطار بغداد الدولي يشهد توسعة جديدة تتضمن صالات متقدمة وممرات حديثة. كما تم تحديث مطارات النجف، كركوك، والبصرة، مع خطط لربط هذه المطارات بخدمات لوجستية وصناعية، لتصبح محطات تجارية وسياحية متكاملة. والهدف من ذلك، وفق بيانات رسمية، هو استيعاب أكثر من 20 مليون مسافر سنوياً بحلول عام 2030.
أما الزراعة، فتخرج اليوم من عباءة الخطابات إلى حقول الإنتاج الفعلي. مشاريع استصلاح الأراضي شملت أكثر من 1.5 مليون دونم خلال العامين الأخيرين، وتم توزيع الآلاف من البيوت البلاستيكية الحديثة على الفلاحين، إضافة إلى دعم أسعار الأسمدة والبذور، وتطوير نظام تسويق الحبوب وصوامع التخزين. ما يجري هو استعادة لدورة الإنتاج، وإعادة الربط بين الفلاح والسوق، وبين الريف والدولة.
في المقابل، يُعدّ صندوق العراق للتنمية القلب المالي لهذه المشاريع. بميزانية تقترب من 17 تريليون دينار عراقي، وشفافية مراقبة من البرلمان ومكاتب التدقيق، يموّل الصندوق مشاريع كبرى تشمل الصحة، الطرق، التعليم، المياه، والإسكان. ويقوم الصندوق على فلسفة التمويل التنموي القابل للدوران، بحيث تتحوّل العوائد إلى استثمارات جديدة، بدل أن تُستهلك في النفقات الجارية.
وما يلفت الانتباه في كل ذلك أن المحافظات أصبحت اليوم فاعلًا حقيقياً في التنمية. بفضل قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية، أُطلقت مشاريع محلية بموازنات مستقلة. محافظة نينوى وحدها أطلقت أكثر من 280 مشروعاً في 2024، بينما شهدت ذي قار تنفيذ مشروعات خدمية وصحية وتعليمية تجاوزت قيمتها 500 مليار دينار، وكلها بمشاركة كوادر محلية وقطاع خاص ناشئ.
لا تتحقق هذه المشاريع في الظل، بل تُدار بآلية حوكمة صارمة: تقارير شهرية علنية، مؤشرات أداء قابلة للقياس، واجتماعات أسبوعية برئاسة رئيس الوزراء لمتابعة التنفيذ. المواطن لم يعد يسمع وعوداً في الإعلام، بل يرى آليات المتابعة وتقييم نسب الإنجاز، ويحس بأن زمن التراخي قد بدأ يرحل.
إن العراق ينهض من رماد ما مضى، لا ببطولات فردية، بل بإرادة مؤسسات. ينهض لأجل الطفل الذي يستحق مقعداً دراسياً وماءً نظيفاً، ولأجل المريض الذي يبحث عن سرير ودواء، وللفلاح الذي يريد أرضًا تُروى، وللمهندس الذي ينتظر مشروعاً يناسب عقله
نهضة العراق اليوم ليست إسمنتاً وحديداً، بل وعياً وثقة، وتصميماً على ألا يعود إلى الوراء.