رمضان شهر القرآن (ح 181) (الصوت القرآني، الحرف المهموس)

د. فاضل حسن شريف

جاء في الألوكة الشرعية عن لمع من علم الصوت في القراءات القرآنية للدكتور محمد حسان الطيان: عود تاريخ اهتمام علماء العربية بالصوت إلى عهد تقعيدِهم القواعدَ وتأسيسِهم النحوَ، بل يكاد يسبق ذلك، ولعل خبر أبي الأسود حين وضع رموز الحركات يجلي شيئًا من هذه الأولية: (جاء أبو الأسود إلى زياد فقال له: اِبْغِني كاتبًا يفهم عني ما أقول، فجيء برجل من عبد القيس فلم يرض فهمه، فأتي بآخر من قريش فقال له: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة على أعلاه، وإذا ضممتُ فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإذا كسرت فمي فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن أتبعت شيئًا من ذلك غنة فاجعل النقطة نقطتين، ففعل. فهذا نقط أبي الأسود). ومن هنا نشأت ألقاب الحركات في العربية، وعدَّت من أكثر ألقاب الأصوات توفيقًا. ثم مضى علماء العربية يؤلفون في النحو والصرف مَشُوبَيْنِ بأحكام الصوت وعلله، حتى إن كثيرًا من ظواهر النحو والصرف لا يمكن تفسيره إلا على أساسٍ صوتي، إذ تكمن وراءه علةٌ صوتية تؤثّر فيه وتعمل كما يعمل العامل في النحو، وكما تبنى الأبنية والصيغ في الصرف، ولا ريب أن الصرفَ أشدُّ التصاقًا من النحو بالأصوات ونظرياتها ونظمها، إذ ضم بحوثًا كاملة حقُّها أن تُدرج في علم الأصوات كالإدغام والإمالة والإبدال… ونحوها، بل إن كثيرًا من مباحث الصرف الرئيسة تعتمد على علل صوتية بحتة عبّر عنها المتقدمون بالخفّة والاستخفاف ودفع الاستثقال وما إلى ذلك. وهكذا اختلطت بحوث الصوت بالنحو والصرف إلى حدٍّ ضاع فيه كثيرٌ من معالمها أو كاد، غير أنها عادت لتبرز على نحوٍ واضح في عِلمَيْن آخرين نشأا في رحاب القرآن الكريم، خدمةً له، وصونًا لترتيله وتلاوته، وحفظًا لوجوه أدائه، وصدعًا بالأمر الإلهي المحكم: “ورَتِّلِ القُرْآنَ ترْتِيْلاً” (المزمل 4) وتفصيلاً لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم الموحى إليه، (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسَّر منه). وهما عِلما التجويد والقراءات، حيث تفشو الكثرة الكاثرة من قواعد الصوت العربي وعلله وأحكامه. فقد شارك علماء القراءات والتجويد في إضافة تفصيلات صوتية إلى ما أُثِر عن الخليل وسيبويه، إذ سجّلوا خصائص صوتية تنفرد بها التلاوة القرآنية، ووضعوا أصولا وقواعد تمثل كثيرًا من هذه الخصائص، مما كان لَه أعظم الأثر في علم الأصوات. وسنحاول في هذا المبحث أن نجلي بعض هذه الخصائص من خلال كتاب الدر النثير. الدر النثير للمالَقي: الدر النثير كتاب في القراءات القرآنية، شرح فيه مصنفه الإمام المالَقي الأندلسي (705هـ) كتابَ التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو الدَّاني (444هـ) الذي كان إليه المنتهى في علم القراءات، والذي يعدُّ كتابهُ التيسير أشهرَ ما انتهى إلينا من كتب هذا الفن، ولا غروَ فهو أصل القصيدة الشاطبية، وناهيك بها من ركن مكين لعلم القراءات قيّدت شوارده، وجمعت أوابده، ولمت شعثه، وأحكمت أصوله، ووثّقت فرشه، حتى غدت أساسَهُ وعُدَّتَه، لا يكاد يؤخذ إلا عن طريقها، ولا يكاد يفهم إلا في شروحها وحواشيها. والإمام المالَقي -مؤلف الدّرّ- على علم جمٍّ يشهد بعلوِّ كعبه في صناعة اللغة ودراسة أصواتها وأحكام بنائه فقد جمع إلى شرف الرّواية دقّةَ الدّراية، وأُوتيَ إلى ذلك كله ذهنًا لماحًا لا يقعد صاحبه عن طلب العلة والتماس السبب والحكمة في كل ما يعرض له من أحكام القراءات ووجوه الأداء. وثَمّةَ يكمن الجانب الأهم في دراسة الصوت لديه، فهو لم يقتصر على المنهج الوصفي في تتبّع القراءات، وإنما تعدّاه إلى المنهج التحليلي، إذ أولى التعليلَ والتفسيرَ عنايةً خاصة جعلته يقف عند كل ظاهرة صوتية وقفةَ تبصّرٍ وتدبرٍ، يبسط الكلام عليها فيجلو عللها، ويفسر أحكامها. وهو يرقى في بعض تعليلاته وتحليلاته إلى مدرسة ابن جني ومن شايعه من أصحاب التعليل والتفسير في الدراسات اللسانية، هذه الدراسات التي تحمل أبلغ الردّ على أولئك الذين ينعتون منهج العلماء العرب في دراسة اللغة بالمنهج الوصفي، ويتهمونهم بأنهم اقتصروا عليه (ولم يُولُوا الجانبَ التفسيريَّ أيَّ اهتمام).

ويستطرد الدكتور محمد حسان الطيان قائلا عن الصوت: علم وظائف الأصوات: Phonologie: يدرس علم وظائف الأصوات الصوت الإنساني في سياقه، أي في تركيب الكلام، ويُعنى بأثر هذا الصوت في مستويات اللغة المختلفة: الصرفية، والنحوية، والدلالية، فموضوعه إذًا وظائف الأصوات والعلائق والفروق بينها والتبدلات الطارئة عليها، من أجل ذلك يطلق عليه علم الأصوات التنظيمي أو التشكيلي. يعتمد هذا العلم في تحليله الأصواتَ ودراستها على تقسيمها إلى وحدات صوتية أو فونيمات، والوحدة الصوتية أو الفونيم(6) Phonème هي أصغر عنصر صوتي في السلسلة الكلامية قادر على التفريق بين معاني الكلمات، ففي العربية تؤلف الحروف الهجائية وحدات صوتية مختلفة بحيث يؤدي تغير حرف ما في كلمتين متفقتين في سائر الحروف إلى تغير المعنى، كما نجد في فعلي (عاد) و(عاذ) فالأول بمعنى رجع، والثاني بمعنى التجأ واعتصم، والفرق بينهما هو فونيم الدال والذال: ومثل ذلك السين والصاد والطاء في الأفعال (سار، وصار، وطار) التي تختلف معانيها باختلاف هذه الوحدة الصوتية فيها. وكذلك الحركات في العربية، فإنها تؤلف وحدات صوتية بتأثيرها الواضح في تغير المعاني، كما نجد في تغير حركات تاء الفاعل في نحو: (درستَُِ) حيث تتغير دلالة التاء وفق تغير حركتها من المتكلم إلى المخاطب أو إلى المخاطبة، بل إن زوال الحركة منها قد يؤدي إلى معنى مختلف، وهو معنى الغائبة في (درسَتْ). على أن الوحدة الصوتية قد تشتمل على عدة أصوات لا يؤدي واحد منها إلى اختلاف معنى، كالراء المفخمة والمرققة(7)، والجيم المعطشة والجيم التي كالكاف(8) (g) والنون الخفيفة أو الخفية في مثل (عنْك ومنْك) والعادية في مثل (نواة)، إن أيًّا من هذه الأصوات الفرعية لا يؤلف وحدة صوتية مستقلة، لأننا لا نستطيع أن نغير معنى كلمة بإحلال واحد منها محلَّ سواه، على أن الفروق بينها مهمة ولها تحليلاتها ودراساتها في علم الأصوات العام. وعلى هذا فالوحدة الصوتية هي ذلك الصوت الأم الذي يندرج تحته عدد آخر من الأصوات، تختلف عنه صوتيًا على نحو من الأنحاء، لكنها لا تخرج عن كونها فرعًا منه، لأنها تؤدي الوظيفة نفسها، ويقال عن هذه الأصوات التي تتضمنها الوحدة الصوتية إنها أعضاؤها(9) Allophones أو صورها. ويمكن أن يطلق عليها مصطلح الصُّوَيْتات، وأول من استخدم مصطلح الصويت ابن جني وهو أقرب ما يكون إلى ما نحن بسبيله(10). إن الذي يجعلنا ننطِق وحدة صوتية ما Phonème بصور مختلفة هو اختلافُ موقعها في منظومة الكلام، إذ يرتبط كل عضو من أعضائها بنوع من السياقات. وهذا ما يدرسه علم وظائف الأصوات ويحاول إيجاد القواعد الناظمة له..

عن ملتقى أهل التفسير: قضية الجهر والهمس قال ابن الجزري في التمهيد: ومعنى الحرف المهموس أنه حرف جرى معه النفس عند النطق به، لضعفه وضعف الاعتماد عليه عند خروجه، فهو أضعف من المجهور، وبعض الحروف المهموسة أضعف من بعض. ومعنى الحرف المجهور أنه حرف قوي، منع النفس أن يجري معه عند النطق به لقوته وقوة الاعتماد عليه في موضع خروجه. قال الشيخ المرصفي: الصفة الأولى: الهمس وهو في اللغة الخفاء. وفي الاصطلاح: ضعف التصويت بالحرف لضعف الاعتماد عليه في المخرج حتى جرى النفس معه فكان فيه همس أي خفاء ولذا سمي مهموساً. الصفة الثانية: الجهر وهو ضد الهمس ومعناه في اللغة الإعلان والإظهار. وفي الاصطلاح: قوة التصويت بالحرف لقوة الاعتماد عليه في المخرج حتى منع جريان النفس معه فكان فيه جهر أي إعلان وإظهار ولذا سمي مجهوراً. قال الشيخ عطية قابل نصر: 1- الهمس: ومعناه لغة: الخفاء. واصطلاحًا: جريان النَّفَس عند النطق بالحرف لضعف الاعتماد على مخرجه وحروف صفة الهمس عشرة، جمعها الإمام ابن الجزري في قوله: فحثَّه شخصٌ سَكَت. 2- الجهر: وهو ضد الهمس: ومعناه لغة: الظهور والإعلان. واصطلاحًا: انحباس جري النفس عند النطق بالحرف، لقوة الاعتماد على مخرجه. فقد تبين لك أخي القارئ مقصد الجهر والهمس عند القراء قديما وحديثا فلم يخالف أحد منهم من سبقوه. إذن العلاقة بين الشدة والجهر وضديهما علاقة نفس وصوت،ومعلوم وجود النفس في جميع الأحرف وبدونه لا يمكن للصوت أن يخرج ولكن أيهما غلب نسب إليه..أما أهل الأصوات فقضية الجهر والهمس قضية اهتزاز الوترين وعدمهما. قال د/ غانم قدوري: الصوت المجهور: هو الذي يهتز (أو يتذبذب ) الوتران الصوتيان حال النطق بهما. والصوت المهموس: بعكس المجهور: هو الذي لا يهتز معهما (أو لا يتذبذب ) الوتران الصوتيان حال النطق به. وعلي هذا التعريف سائر أهل الأصوات. ونتساءل: علي أي شئ اعتمد أهل الأصوات في الوصول لهذا التعريف؟ يبدو أنهم اعتمدوا علي أمرين: الأجهزة الحديثة التي يرددون الكلام عنها في كتبهم وأبحاثهم. الاعتماد علي عبارة سيبويه ” صوت الصدر “.

وقد ذكر أ. عمار محمد سيف الدين الخطيب في رسالة عنوانها (الجهرُ والهمْسُ بين القدماء والمحدثين ) تفصيلا أكثر فقال:​ ولو دقّقنا النظر في كلام سيبويه في رواية السيرافي التي ذكرناها سابقا لما خالجنا شكٌّ في أنّ سيبويه كان على علمٍ بالأثر الناتج عن اهتزاز الوترين الصّوتين مع الأصوات المجهورة، وذلك واضحٌ في قوله ” فالمجهورةُ كلها هكذا يخرج صوتهن من الصدر ويجري في الحلق “، فهذا الإمامُ الجهبذُ قد لاحظ معتمدا على أذنه المرهفة تلك النغمة الخاصة التي تميز الأصوات المجهورة فوصفها بـ(صوت الصدر )، وأدْرَكَ أنّ الأصوات المهموسة خالية من ذلك الصوت الذي يخرج من الصدر على حدّ تعبيره ولذلك قال “فأخرج الصوت من الفم ضعيفا “، قال الدكتور إبراهيم أنيس معلقا على كلام سيبويه: ” ولعل هذا الصوت (يقصد صوت الصدر) هو صدى الذبذبات التي تحدثُ في الوترين الصوتيين بالحنجرة، وهذا الصّدى نحس به ولا شك في الصّدر كما نحس به حين نسدّ الأذنين بالأصابع أو حين نضع الكف على الجبهة. فهو الرنين الذي نشعر به مع المجهورات، وسببه تلك الذبذبات التي في الحنجرة. وكأنما فطن سيبويه إلى موقف المهموسات فتسائل كيف تسمعها الأذن إذا كانت خالية من ذلك الصوت الذي يخرج من الصدر، وهنا نراه يتصور أن أصواتها تخرج من مخارجها، غير أنه لا يعتمد عليه كالاعتماد مع المجهور، ولذلك يخرج الصوت من الفم ضعيفا. والذي لم يكن سيبويه يعرفه وإن كان قد أحسّ به أن النفس يتردد مع الحرف المهموس ويُحْدِثُ موجات أيضا تضخمها الفراغات الرنّانة في الحلق والفم فتسمعها الأذن من أجل هذا. أي هناك ذبذباتٌ مع كل من المجهور والمهموس، غير أنّ مصدر الذبذبات مع المجهورات هو الحنجرة على حين أنّ مصدرها مع المهموسات هو الحلق والفم وتضخّمها الفراغات الرنّانة، ولكنها ذبذبات ضعيفة ليس لها أثر سمعيّ قوي في السّمع. ومن هنا جاء خفاؤها أو همسها، ومن هنا أيضا تميّز المجهور من الهموس “ـ ولو أمعنا النظر في عبارة من كلام سيبويه:…واعلم أنَّ الهمزة إنَّما فعل بها هذا من لم يخففها، لأنَّه بعدمخرجها، ولأنها نبرة في الصدَّر تخرج باجتهادٍ، وهي أبعد الحروف مخرجاً، فثقل عليهمذلك، لأنَّه كالتهُّوع.) نجده يتحدث عن مخرج الهمزة، ويقصد بـ”الصدر” أقصي الحلق، واستخدم الإمام الهذلي في كتابه الكامل عبارة الصدر فقال:..أقصاها مخرج الهمزة وهي من الصدر ثم الهاء) فهم يقصدون به أقصي الحلق ولم يكن مراده صوتا زائدا (اهتزاز الوترين ) كما يقولون. فهذه الذبذبات في الوترين أحدثها الهواء الخارج من الرئتين فالأمر في أساسه له تعلق بخروج الهواء كثر أوقل وعليه يحمل كلام القدامي، قال أ. خالد بسندي أستاذ مساعد: قسم اللغة العربية ـ كلية الآداب ـ جامعة الملك سعود في كتابه ” قراءة في الجهر والهمس بين القدماء والمحدثين”: إن الدراسات الصوتية الحديثة التي اعتمدت أحدث الأجهزة بينت أثر الوترين الصوتيين في إحداث الجهر والهمس في حين لم تسلط الضوء على الهواء المندفع من الرئتين، لتبين قوته وسرعته وأثره في إحداث الجهر والهمس، بل كان تركيزها على جهاز النطق).