رياض سعد
ليس من المبالغة القول إن مجتمع الجنوب العراقي يعيش اليوم تحت وطأة ظواهر نفسية واجتماعية مرضية أصبحت تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، حتى غدت أشبه بالهواء الذي يتنفسه الناس دون وعي … ؛ ومن بين أخطر هذه الظواهر: السادية (اللذة في تعذيب الآخر)، والمازوخية (اللذة في الخضوع والإذلال)… ؛ لكن المأساة الكبرى تكمن حين تجتمع الظاهرتان في الشخصية الواحدة، حيث يصبح الإنسان جلادًا لمن هو أضعف منه، وضحية خانعة أمام من هو أقوى، سواء بالقوة الجسدية أو الرمزية أو المالية أو العشائرية... ؛ بل قد اتسمت الشخصية العراقية بهذا المركب ؛ كما ذهب الى ذلك البعض .
هذا التكوين النفسي والسلوكي لا يأتي من فراغ، بل هو نتاج تراكمات طويلة من العنف المنهجي الذي يتعرض له الفرد منذ طفولته، ابتداءً من البيت، حيث تُمارس سلطة الأب أو الأخ الأكبر بالعنف الجسدي واللفظي، مرورًا بالمدرسة التي تحوّلت إلى ساحة تنكيل نفسي وأحيانًا جسدي باسم “التهذيب”، وليس انتهاءً بالمضيف والمقهى والعمل والشارع … الخ ، حيث تسود ثقافة التنمر والاستهزاء على الضعيف والمختلف والمسكين.
ومن فرط ما تعرّض له الفرد من امتهان واحتقار… ؛ تتراكم بداخله مشاعر القهر والكبت والاحتقان، فيُخزّنها بلا تفريغ حقيقي، حتى تأتي لحظة انفجار تبدو للآخرين غير مفهومة، لكنها من منظور علم النفس لحظة حتمية، لأن الانفجار هو الطريقة الوحيدة التي يعرف بها الإنسان كيف يعبّر عن نفسه في بيئة تمنعه من التعبير الطبيعي والسليم.
وهكذا، تتكرّر يوميًا في الجنوب العراقي مشاهد الشجارات والخصومات والمعارك التي تنفجر لأسباب تافهة – كالنقاش في نكتة تتعلق بالشرف، أو عراك حول طفل، أو خلاف على كلب ضال – لأن المشكلة ليست في السبب المباشر بل في الخزان العاطفي المحتقن الذي يبحث عن أي ثغرة لينفجر من خلالها… ؛ هذا السلوك الجماعي ليس عرضًا عابرًا بل ناتجًا بنيويًا، كما قال نيتشه:”وإن كان ثمة جُرم، فهو يوجد في المُربي وفي الأسرة والمحيط، فينا جميعًا وليس في القاتل؛ أعني في الظروف المُهينة.”
الجنوب العراقي لا يعيش لحظة استثنائية، بل يعاني من تاريخ طويل من التهميش والقهر والقسوة والازدراء، ما جعل الخوف والتبعية جزءًا من البنية النفسية والاجتماعية للإنسان هناك… ؛ وهذه البنية تنتج “ضحايا” اليوم الذين يتحوّلون إلى “جناة” الغد، كما عبّر عنها برتراند راسل حين قال : “مفهوم الخطيئة يحدده موقعك الجغرافي.”
فمن يولد في بيئة ترى في الضرب وسيلة للتربية، وفي السخرية شكلاً من القوة، وفي الإذلال اختبارًا للرجولة، لن يتعلّم كيف يحب أو يرحم أو يتعاطف… ؛ بل سيظل يعيش في دوامة من الشعور بالذنب والخطيئة والتكفير عنها عبر العنف أو الخضوع… ؛ ومن هنا تتجذّر المازوخية بوصفها آلية دفاع نفسية، يرضى بها الفرد أن يُهان لأنه يرى نفسه مذنبًا بشكل غامض، ثم ما يلبث أن يتحوّل إلى ساديّ يمارس على من دونه ما مورس عليه.
هذا التذبذب بين الإذلال والعدوان، بين الخضوع والتمرد، بين الصمت والصراخ، هو ما يُنتج مجتمعًا يعيش في حالة نفسية مضطربة، وعلاقات اجتماعية هشة، وقيم متناقضة… ؛ مجتمع لا يعرف كيف يحلّ خلافاته بالحوار، ولا كيف يضبط انفعالاته بالعقل، ولا كيف يتنفّس خارج دوامة الخوف والعار والشرف والكبت.
ولا يمكن فهم هذا المرض الجمعي إلا بإدراك أن القهر هنا ليس حالة طارئة بل بنية راسخة، يتوارثها الأبناء من الآباء، والمجتمع من الدولة، والمدرسة من العشيرة، حتى تصبح “الطبيعة الثانية” للفرد. وكل محاولة للإصلاح أو الوعي، دون تفكيك هذه البنية، تظل محاولة تجميلية لا تغيّر شيئًا.
إن الخلاص لا يكون في لوم الضحية أو الجلاد، بل في تفكيك المنظومة التي تُنتج الضحية والجلاد معًا. في بناء بيئة حاضنة للكرامة، تتيح التعبير، وتربّي على الاختلاف، وتكسر هرمية الإذلال. وإلا سنظل ندور في نفس الحلقة المفرغة: طفل يُضرب اليوم، رجل يضرب غدًا، ثم شيخ مكسور يموت بالخذلان، ويُنتج مَن يُعيد الدائرة من جديد.