سيادة نظام التفاهة: حين يتوّج الرديء ويُقصى النبيل

حسين شكران الأكوش العقيلي

 مقدمة

في زمنٍ تتهاوى فيه المعايير، وتُستبدل فيه الكفاءة بالاستعراض، والضمير بالمنفعة، ينهض ما يسميه الفيلسوف الكندي آلان دونو بـ”نظام التفاهة” لا كحالة عابرة، بل كنظامٍ متكاملٍ يُعيد تشكيل المجتمع وفق مقاييس الرداءة. إنه انقلابٌ ناعم، لا يُعلن نفسه، لكنه يتسلل إلى مفاصل الحياة: السياسة، الإعلام، التعليم، والثقافة، حتى يغدو التافه هو النموذج، والمفكر هو الاستثناء.

 مفهوم التفاهة: من الهامش إلى السلطة

التفاهة ليست مجرد سلوك سطحي، بل هي منظومة قيمية تُقصي العمق وتُعلي من شأن السطح. في هذا النظام:

– يُستبدل المثقف بالخبير التقني.

– تُقصى الفلسفة لصالح المهارات الإجرائية.

– يُحتفى بمن “يلعب اللعبة” ويُهمّش من يطرح الأسئلة.

إنه نظام يُكافئ الامتثال ويُعاقب التفكير، يُكرّس الرداءة لا بالصدفة، بل بالتخطيط والتواطؤ.

 آليات ترسيخ التفاهة

1. الإعلام الاستعراضي: يُروّج للنجومية الفارغة، ويُقصي القضايا الجوهرية.

2. التعليم التقنوي: يُنتج موظفين لا مفكرين، ويُهمّش التفكير النقدي.

3. لغة الخشب: خطاب مفرغ من المعنى، مليء بالحشو، يُستخدم لتضليل الجماهير.

4. ثقافة الاستهلاك: تُحوّل الإنسان إلى آلة إنتاج، وتُقصي القيم الإنسانية.

 ضحايا هذا النظام

– منظومة القيم: تُستبدل الأصالة بالتصنّع، والحق بالمنفعة.

– الوعي الجمعي: يُغرق في التسلية، ويُبعد عن التفكير النقدي.

– القيادة الفكرية: يُقصى المفكرون لصالح “نجوم” بلا مضمون.

مواجهة التفاهة: من المقاومة الرمزية إلى النهضة الفكرية

– إحياء الفكر النقدي: عبر التعليم، والمنابر الثقافية، والكتابة الحرة.

– المقاطعة الرمزية: لكل ما هو مبتذل، ولكل من يروّج للتفاهة.

– إعادة الاعتبار للثقافة: كأداة للتحرر، لا للتسلية.

– تمكين القادة الحقيقيين: ممن يمتلكون رؤية، لا مجرد حضور إعلامي.

خاتمة

إن مقاومة نظام التفاهة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. فحين يُقصى المفكر، ويُحتفى بالمهرّج، تصبح الأمة في خطر. علينا أن نعيد الاعتبار للكلمة، للفكرة، للضمير. أن نُعيد للمثقف مكانته، وللثقافة دورها، وللإنسان إنسانيته.