ثامر عباس
لطالما احتلت الرموز الدينية وما يرتبط بها ويعبر عنها من طقوس وشعائر ، صدارة الأهمية في مضمار الممارسات السياسية بشكل خاص ، وفي ميادين النشاط الاجتماعي على وجه العموم . ليس لأنها عنصر حيوي من عناصر المنظومة الثقافية ومكون فاعل من مكونات بنية الوعي الاجتماعي فحسب ، وإنما لخطورة دورها في هرمية النسق القيمي للمجتمع المعني ، وجسامة وظيفتها في تعبئة سيكولوجيا الحشود كذلك . وهو الأمر الذي حدا بالإمبراطور الفرنسي الشهير (نابليون بونابرت) ذات مرة معلنا”استغرابه حين قال (( كيف تقوم للنظام قائمة في دولة بلا دين ؟!)) .
وحيال هذه الحقيقة الجوهرية لا ينبغي أن نحمل الرأي الذي مؤداه ؛ إن هذه الظاهرة هي من خصائص المجتمع العراقي دون سواه ، وأنها تمارس سحرها على نمط تفكيره بطريقة ميثولوجية خارقة وغير مألوفة ، مثلما هي عند الشعوب والمجتمعات الأخرى على محمل الجد ، وذلك بواقع صيرورته التاريخية المتسمة بتعدد أديانه وتنوع طوائفه . بل هي صفة عامة مشتركة تدلل على طبيعة الاجتماع الإنساني ، وتعكس نمط القضايا والإشكاليات التي تأسر تفكيره وتثير تأملاته ما بين المعنى الانطولوجي والمعزى الميتافيزيقي ؛ ابتداء من الرموز الارواحية والطوطمية في المجمعات البدائية المندثرة ، وانتهاء بالرموز الدينية في المجتمعات الحديثة والمتحضرة . ذلك لأن الشعور ب (المقدس) – كما استخلص المتخصص بتاريخ الأديان والعقائد الدينية المعروف (مرسيا الياد) – (( هو عنصر من عناصر بنية الوعي وليس مرحلة من مراحل تاريخ الوعي . ذلك إن عالما”ذي معنى – والإنسان لا يسعه أن يعيش في العماء أو الخواء – هو حصيلة سيرورة جدلية يمكننا أن نسميها عملية تجلي المقدس )) . إلاّ أنها على صعيد التجربة الغنية والمعقدة في نفس الآن ، حين تلامس الواقع العيني وتحتك بالمكونات الحية ، لا تفتأ تأخذ أبعادا”مختلفة وتتفرع باتجاهات متباينة ، بين هذه الجماعة أو تلك بين هذا المجتمع أو ذاك . إن من حيث الاتساع الأفقي / الجغرافي ، أو من حيث العمق العمودي / السوسيولوجي ، تساوقا”مع مستوى التطور الحضاري في مرحلة تاريخية معينة ، ودرجة النضج العقلي والارتقاء المعرفي الذي أحرز في إطارها .
وعليه فان مسألة تأثير الرموز الدينية على مسار الممارسات السياسية في المجتمع العراقي ، فضلا”عن انعكاس ذلك على مستقبل خياراته الوطنية والإنسانية ، سوف لن تكون بذات الإيقاع الملتبس الذي كنا نسمع عنه ونقرأ حوله في السابق ، لجهة طبيعة العلاقة الراكدة والحراك التقليدي بين حقول الدين ومجالات السياسة . بل سترتهن – اعتبارا”من هذه اللحظة التاريخية الحرجة والقلقة – هذه بتلك ، عبر جملة من السجالات الإيديولوجية والصراعات الاجتماعية والانهيارات الاقتصادية والانكسارات الثقافية ، التي تتضافر تارة وتتنافر تارة أخرى ، بحيث تتراوح الاحتمالات والتوقعات ما بين انبثاق وعي سياسي / عقلاني ، يغمر تضاريس العقل العراقي ويعمق أخاديد الديمقراطية ، أو حصول العكس باتجاه نكوص عناصر الأول وتقهقر مقومات الثانية . بمعنى ان المعادلة ستكون على النحو التالي : كلما تجذرت مظاهر الوعي الديمقراطي وترسخت ثقافة المشاركة وتفتحت قنوات الحوار ، كلما تضاءل شأن الرموز الدينية وضعف تأثيرها في رسم معالم الحاضر وترسيم ملامح المستقبل ، ولأي نشاط اجتماعي ممأسس وبالعكس . على أنه تجدر الإشارة الى أن هذا الاستنتاج النظري / الافتراضي ، لا ينبغي أن يفضي بنا الاشتطاط في تأويله الى تقليل شأن العامل الديني في حياة الإنسان الروحية ، سواء لجهة تقليص أثره في تأطير الوعي ، أو تقليل مساحته في تشكيل المعتقدات . لا بل ان هذا العامل / البعد سيحظى بكامل قيمته وينال أقصى اعتباره ، كلما ترسّخ الوعي النقدي وتفشت المعرفة العقلانية ، لاسيما وات تنوع الرموز الدينية (أشخاص ، أفكار ، أماكن ، مؤسسات) قمين بجعلها أقرب الى الجانب الاجتماعي منه الى الجانب الاعتقادي ، وإلاّ فقدت طابعها الرمزي وانسلخت عمن يمحضها تلك القيمة المتعالية .
وهنا تتضح أمامنا مخاطر لجوء البعض ، ممن يفتقر برنامجه السياسي الى فكرة )الواقعية) في التعامل مع الشأن الاجتماعي من جهة ، و(العقلانية) في تقييم أبعاده ودراسة مضامينه من جهة أخرى ، عبر تسييس الرموز الدينية في الخطاب السياسي المؤدلج ، والتعويل عليها في نيل مطالبه الفئوية وتحقيق أهدافه الحزبية . دون أن يعي حقيقة أن ممارسة هذا الضرب من السلوك الشاذ ، كفيل بإلحاق الضرر وإيقاع الأذى ليس فقط بالخطاب السياسي والمنهاج الفكري للتيار المعني أو الحركة المقصودة ، اللذان ينتهجان هذا المسلك الملتوي فحسب ، وإنما توجيه الإساءة الى الرمز الديني المستدرج للانغماس في العمل السياسي أيضا”،وبالتالي الاستهانة بالمنظومة الاعتقادية للمجتمع بأسره .
والحقيقة ان توظيف الرمز الديني في العمل السياسي ، على خلفية إحياء الآمال بقدوم (المنقذ) أو كمثابة لميلاد (المخلّص) ، غالبا”ما يتم في لحظات المحنة الاجتماعية والضائقة الاقتصادية والفوضى السياسية . فإذا ما انفرجت أسارير المجامع وأزيحت أسباب معاناته وتعبدت سبل طموحاته ، انتفت الحاجة الوظيفية لتلك الرموز ، وأصبحت من رصيد تراثه الروحي وذخيرة عقله الباطن . ولهذا فنحن نعتقد بأن تأثير الرموز الدينية في بنية الوعي للإنسان العراقي ، وخضوعه لجبروت سلطانها على أنماطه السيكولوجية ، سيرتهن بالكيفية التي يعالج بها هذا الإنسان المنتهك ، حزمة مشاكله الاجتماعية المتراكمة ، وتخطي فرشة أزماته السياسية العالقة ، ليس بعيدا”عن تلك الرموز او تجاوزا”لها ، ولكن بتحييدها سياسيا”وعقلنتها حضاريا”واستيعابها ثقافيا”. إذ ليس من مصلحة الشعب العراقي ككل ، لا حاضرا”ولا مستقبلا”، زجّ الرموز الدينية في تقرير شكل النظام السياسي الذي ينشده ونمط الدولة التي ينوي بنائها . ذلك لأن طبيعته السوسيولوجية وخصائصه الانثروبولوجية وأنماطه السيكولوجية ، حتمّت عليه أن يشتمل ، بالإضافة الى مجموعة من القوميات المتآخية ، على طيف متنوع من الأديان والطوائف المتآلفة ، التي لكل منها رموزها الدينية المميزة ومرجعياتها الاعتقادية الخاصة ، مما يستتبع أن يكون الخيار الديمقراطي قائم ، ليس فقط على ثوابت المشاركة السياسية والانفتاح على الآخر فحسب ، وإنما اعتماد التفكير بطريقة عقلانية وبناء العلاقات على أسس حضارية .