كندي الزهيري
في زمن أصبح فيه الغريب يتحكم في حاضرنا، ويكتب ملاحظاته على قوانيننا كما يكتب تلميذ كسول على دفتر غيره، نقولها بلا مواربة: أيها السفراء الغرب الوقح، أنتم ضيوف على أرض العراق، ولسنا رعايا في مستعمراتكم البائدة. قانون الحشد الشعبي ليس ورقة في سفاراتكم ولا بندًا في أجنداتكم، بل هو دم سال على ثرى هذا الوطن، وقرار ولد من رحم المعركة، لا من صالوناتكم المكيّفة.
أيها العراقيون، أما آن لكم أن تسألوا: ما دخل السفراء الغرب الوقح بقانون الحشد الشعبي؟ وما شأنهم بجودته أو ردائته؟
أليست هذه قضية عراقية بحتة، وقرارًا وطنيًا صرفًا يخص دماء أبناء هذه الأرض الذين وقفوا حين انهارت الجبهات، وصدّوا الزحف الداعشي يوم فرّ الآخرون؟
فما الذي يجعل سفير دولة استعمارية يمد أنفه في قضية سيادية كهذه؟،
الدبلوماسي في الأعراف الدولية هو رسول يمثل بلاده، يتحرك في حدود ما رسمته المعاهدات والاتفاقيات، لا في دهاليز القوانين الداخلية ولا بين سطور التشريعات الوطنية. لكننا اليوم أمام مشهد مقلوب: سفراء يوزعون الملاحظات، يقيّمون المؤسسات، ويوجهون النصائح وكأنهم أوصياء على بلادنا. أليس هذا تجاوزًا على سيادة العراق؟
بل أليس إهانة لهيبته وامتهانًا لكرامة شعبه؟ ،
الفضيحة الكبرى أن وزارة الخارجية، التي أقسمت على حماية الدستور والسيادة، تصمت أو تبتسم لهذا التدخل، وكأنها أمام نصيحة صديق لا أمام تطاول سافر. والأدهى أن بعض أحزاب السلطة هي من تمهّد الطريق لهذه الأصوات الأجنبية، وتفتح لها الأبواب، لأنها وجدت في دعم الغرب سندًا لمصالحها ومكاسبها، ولو كان الثمن إذلال العراق.
إن الحشد الشعبي ليس مؤسسة عابرة في تاريخ العراق، بل هو جدار الدم الذي ارتطم به مشروع داعش ومن ورائه كل أجهزة المخابرات الغربية.
ولذا فإن كل همّ تلك السفارات اليوم هو كسر هذا الجدار، تارة بالهجوم الإعلامي، وتارة بالتشكيك القانوني، وتارة بالتدخل في تشريعاته.لكن السؤال الذي يجب أن يعلو فوق كل ضجيج: أين سيادة البلاد؟
أهي في بياناتكم الرنانة أم في مواقفكم حين يطرق السفير باب القانون الوطني؟
أين سيادة البلاد وأنتم تتركون ملفاتنا الحساسة تُناقش في صالونات السفارات بدل قاعات البرلمان؟.
نقول بوضوح ؛ إلى كل سفير يتجاوز حدوده، وإلى كل مسؤول يتغاضى أو يبارك هذا التجاوز، تذكروا أن السيادة التي تفرطون بها اليوم ستعود لتدق أبوابكم غدًا، لا بصوت البيانات، بل بصوت الشارع الغاضب.
العراق ليس أرضًا مستباحة،
والحشد الشعبي ليس بندًا للتفاوض في مكاتبكم. ومن يمد يده على قوانينه، فإنما يمدها على دماء الشهداء، وهذا ما لن يمر بلا حساب، فالأمة التي أنجبت الحشد تعرف كيف تحاسب من يبيعها، ومن يساوم على شرفها.