فاضل حسن شريف
76- فإن قال: فلم جعلت التكبير في الاستفتاح سبع تكبيرات؟ قيل إنما جعل ذلك لأن التكبير في الركعة الاولى التي هي الأصل سبع تكبيرات تكبيرة الاستفتاح وتكبيرة الركوع وتكبيرتان للسجود وتكبيرة أيضا للركوع و تكبيرتان للسجود فإذا كبر الإنسان أول الصلاة سبع تكبيرات فقد احرز التكبير كله فإن سهى في شئ منها أو تركها يدخل عليه نقص في صلاته.
77- فإن قال: فلم جعل ركعة وسجدتين؟ قيل: لأن الركوع من فعل القيام، والسجود فعل القعود وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، فضوعف السجود ليستوي بالركوع فلا يكون بينهما تفاوت، لأن الصلاة إنما هي ركوع وسجود.
78- قال: فلم جعل التشهد بعد الركعتين؟ قيل: لأنه كما تقدم قبل الركوع والسجود الاذان والدعاء والقراءة فكذلك أيضا أمر بعدها التشهد والتحميد والدعاء.
79- فإن قال: فلم جعل التسليم تحليل الصلاة ولم يجعل بدله تكبيرا أو تسبيحا أو ضربا آخر؟ قيل: لانه لما كان في الدخول في الصلاة تحريم الكلام للمخلوقين والتوجه إلى الخالق كان تحليلها كلام المخلوقين والانتقال عنها وابتداء المخلوقين في الكلام إنما هو بالتسليم.
80- فإن قال: فلم جعل القراءة في الركعتين الأوليين والتسبيح في الاخيرتين؟ قيل: للفرق بين ما فرض الله عز وجل من عنده وما فرضه من عند رسوله.
81- فإن قال: فلم جعل الجماعة؟ قيل: لئلا يكون الاخلاص والتوحيد والاسلام والعبادة لله إلا ظاهرا مكشوفا مشهورا، لان في إظهاره حجة على أهل الشرق والغرب لله وحده عز وجل وليكون المنافق والمستخف مؤديا لما أقر به بظاهر الاسلام والمراقبة وليكون شهادات الناس بالاسلام بعضهم لبعض جائزة ممكنة مع ما فيه من المساعدة على البر والتقوى والزبد عن كثير من معاصي الله عزوجل.
82- فإن قال: فلم جعل الجهر في بعض الصلاة ويجعل في بعض؟ قيل: لأن الصلاة التي يجهر فيها إنما هي صلاة تصلى في أوقات مظلمة فوجب أن يجهر فيها لأن يمر المار فيعلم أن هيهنا جماعة، فإذا أراد أن يصلي صلى، ولانه إن لم ير جماعة تصلي سمع وعلم ذلك من جهة السماع والصلاتان اللتان لا يجهر فيهما فانما هما بالنهار وفي أوقات مضيئة فهي تدرك من جهة الرؤية فلا يحتاج فيها إلى السماع.
83- فإن قال: فلم جعل الصلاة هذه الاوقات ولم تقدم ولم تؤخر؟ قيل: لأن الاوقات المشهورة المعلومة التي تعم أهل الأرض، فيعرفها الجاهل والعالم أربعة غروب الشمس معروف مشهور يجب عنده المغرب وسقوط الشفق مشهور معلوم يجب عنده العشاء الآخرة وطلوع الفجر مشهور معلوم يجب عنده الغداد وزوال الشمس مشهور معلوم يجب عنده الظهر ولم يكن للعصر وقت معلوم مشهور مثل هذه الاوقات فجعل وقتها عند الفراغ من الصلاة التي قبلها. وعلة أخرى أن الله عز وجل أحب أن يبدأ الناس في كل عمل أولا بطاعته وعبادته فأمرهم أول النهار أن يبدؤا بعبادته ثم ينتشروا فيما احبوا من مرمة دنياهم فأوجب صلاة الغداة عليهم، فإذا كان نصف النهار وتركوا ما كانوا فيه من الشغل وهو وقت يضع فيه ثيابهم ويستريحون ويشتغلون بطعامهم وقيلولتهم فأمرهم أن يبدؤا أولا بذكره وعبادته، فأوجب عليهم الظهر ثم يتفرغوا لما أحبوا من ذلك فإذا قضوا وطرهم وأرادوا الانتشار في العمل لاخر النهار بدؤا أيضا بطاعته، ثم صاروا إلى ما أحبوا من ذلك فما وجب عليهم العصر ثم ينتشرون فيما شاؤا من مرمة دنياهم فإذا جاء الليل ووضعوا زينتهم وعادوا إلى أوطانهم ابتدؤا أولا بعبادة ربهم ثم يتفرغون لما أحبوا من ذلك فأوجب عليهم المغرب فإذا جاء وقت النوم وفرغوا مما كانوا به مشتغلين أحب أن يبدؤا أولا بعبادته وطاعته ثم يصيرون إلى ما شاؤا أن يصيروا إليه ذلك فيكونوا قد بدؤا في كل عمل بطاعته وعبادته، فأوجب عليهم العتمة فإذا فعلوا ذلك لم ينسوه ويغفلوا عنه ولم تقس قلوبهم ولم تقل رغبتهم.
84- فإن قال: فلم إذا لم يكن للعصر وقت مشهور مثل تلك الأوقات أوجبها بين الظهر والمغرب ولم يوجبها بين العتمة والغداة وبين الغداة والظهر؟ قيل: لانه ليس وقت على الناس أخف ولا أيسر ولا أحرى أن يعم فيه الضعيف والقوي بهذه الصلاة من هذا الوقت وذلك أن الناس عامتهم يشتغلون في أول النهار بالتجارات والمعاملات والذهاب في الحوائج وإقامة الاسواق فأراد أن لا يشغلهم عن طلب معاشهم ومصلحة دنياهم وليس يقدر الخلق كلهم على قيام الليل ولا يشعرون به ولا ينتبهون لوقته لو كان واجبا ولا يمكنهم ذلك، فخفف الله عنهم ولم يجعلها في أشد الاوقات عليهم، ولكن جعلها في أخف الاوقات عليهم، كما قال الله عز وجل “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر. (البقرة 195).
85- فإن قال: فلم يرفع اليدين في التكبير؟ قيل: لأن رفع اليدين هو ضرب من الابتهال والتبتل والتضرع فأحب الله عز وجل أن يكون العبد في وقت ذكره له متبتلا متضرعا مبتهلا ولأن في رفع اليدين إحضار النية وإقبال القلب على ما قال وقصده.