د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله سبحانه “فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” (التوبة 82) تفريع على تخلفهم عن الجهاد بالأموال والأنفس وفرحهم بالقعود عن هذه الفريضة الإلهية الفطرية التي لا سعادة للإنسان في حياته دونها. وقوله: “جزاء بما كانوا يكسبون” ﴿التوبة 82﴾ والباء للمقابلة أو السببية دليل على أن المراد بالضحك القليل هو الذي في الدنيا فرحا بالتخلف والقعود ونحو ذلك، وبالبكاء الكثير ما كان في الآخرة في نار جهنم التي هي أشد حرا فإن الذي فرع عليه الضحك والبكاء هو ما في الآية السابقة، وهو فرحهم بالتخلف وخروجهم من حر الهواء إلى حر نار جهنم. فالمعنى: فمن الواجب بالنظر إلى ما عملوه واكتسبوه أن يضحكوا ويفرحوا قليلا في الدنيا وأن يبكوا ويحزنوا كثيرا في الآخرة فالأمر بالضحك والبكاء للدلالة على إيجاب السبب وهو ما كسبوه من الأعمال لذلك. وأما حمل الأمر في قوله: “فليضحكوا” ﴿التوبة 82﴾ وقوله: “وليبكوا” ﴿التوبة 82﴾ على الأمر المولوي لينتج تكليفا من التكاليف الشرعية فلا يناسبه قوله: “جزاء بما كانوا يكسبون”. ويمكن أن يكون المراد الأمر بالضحك القليل والبكاء الكثير معا ما هو في الدنيا جزاء لسابق أعمالهم فإنها هدتهم إلى راحة وهمية في أيام قلائل وهي أيام قعودهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم إلى هوان وذلة عند الله ورسوله والمؤمنين ما داموا أحياء في الدنيا ثم إلى شديد حر النار في الآخرة بعد موتهم.
جاء عن الموسوعة الحرة: الطباق ويقال له المطابقة، هو أن يجمع بين شيئين متوافقين وبين ضديهما، ثم إذا شرطهما بشرط وجب أن تشترط ضديهما بضد ذلك الشرط، كقوله تعالى (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى)، فالإعطاء والاتقاء والتصديق ضد المنع والاستغناء والتكذيب، والمجموع الأول شرط لليسرى والثاني شرط للعسرى. المطابقة في تعريفات الجرجاني الطِّباقُ أو المُطابَقةُ: مَصدَرُ طابَق يُطابِقُ طِباقًا ومُطابَقةً، مِثلُ: قاتَل يُقاتِلُ قِتالًا ومُقاتَلةً، والمُطابِقُ مِنَ الخَيلِ والإبِلِ: أنْ يَضعَ الفَرَسُ رِجْلَه مَوضِعَ يدِه. ثمَّ صار الطِّباقُ بمَعْنى الجمْعِ بينَ الشَّيئَين، يُقالُ: طابَقَ فُلانٌ بينَ ثَوبَينِ، أي: جمَع بَينَهما. المطابقة بين الشيئين هي الجمع بينهما على حذو واحد، أو هي الجمع بين الضدين في كلام واحد، كالليل والنهار، والبياض والسواد، اما المقابلة فتكون غالبا بين اربعة اضداد: ضدان في صدر الكلام أو الشعر، وضدان في عجزه. قال ابن خلدون في الكلام على ابطال الفلسفة: (فوجه قصوره (يعني العلم الطبيعي) ان المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود والاقيسة وبين ما في الخارج غير يقينية، لأن تلك أحكام ذهنية كلية عامة، والموجودات الخارجية متشخصة بموادها). علاقة منطقية اساسية، وهي ان يكون تعيين احد الحدود مقابلا لتعيين حد أو جملة من الحدود، الاخرى، وذلك بمقتضى جدول سابق أو معادلة عامة تتضمن قانون المطابقة بين تلك الحدود، فاذا اقتصرت المطابقة على الجمع بين حد مقدم وحد تال واحد سميت بمطابقة وإذا اتخذ التالي مقدما وجعل الحد الذي كان مقدما في الجملة السابقة حدا تاليا في الجملة اللاحقة سميت المطابقة بمطابقة التبادل). ونظرية المطابقة هي القول ان الكون مركب من عوالم متماثلة تجمع بين عناصرها المتقابلة مطابقة تامة، بحيث يكون كل عنصر من عناصر أحد العوالم رمزا لما يقابله من عناصر العوالم الاخرى، وبحيث يكون شأن كل عنصر ان يكشف عن خواص ما يقابله، وان يكون بين جميع العناصر المتطابقة تأثير متبادل بطريق التعاطف. وينقسم الطباق إلى قسمين: طباق الإيجاب وهُو ما صُرِّح فيها بإظْهارِ الضِّدَّينِ، أو: هي ما لم يَختلِفْ فيه الضِّدَّان إيجابًا وسَلْبًا. ومنها قولُه تعالى: فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ” (الفرقان 70)، فالمُطابَقةُ بَيْنَ السَّيِّئاتِ والحَسناتِ مُطابَقةٌ بالإيجابِ، وهُو أنَّ الكَلمتَين مُتضادَّتانِ في المَعْنى أبدًا. مثل يضحك أخي ويبكي طباق السلب وهُو أنْ تَظهَرَ المُطابَقةُ بَيْنَ اللَّفظَتَينِ باسْتِخدامِ أداةِ النَّفيِ، فيكون أحدُ طَرَفيِ المطابَقةِ مُثبَتًا، والآخَرُ مَنفيًّا، كقَولِه تعالى: “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ” (الزمر 9)، فبيْنَ: “يَعلَمون” و”لا يَعلَمون” مُطابَقةٌ بالسَّلبِ، وهِي النَّفيُ بأداةِ النَّفيِ (لا). ومنه أيضًا قولُ امْرِئِ القيْسِ: الطويل جزِعتُ ولم أجْزَعْ مِنَ البَيْنِ مَجزَعَا وعَزَّيتُ قلبًا بالكَواكِبِ مُولَعا فبيْنَ قولِه: “جزِعتُ” وقولِه: “لم أجزَعْ” مُطابَقةٌ بالسَّلبِ، وهِي اسْتِخدامُ الأداةِ (لم). مثل يبكي طفلي ولا يبكي. في طباق الإيجاب تكون الكلمات معاكسة لبعضها أما السلب تكون منافية. تعريف الطباق (البديع) هو كلمة وضدها.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله سبحانه “فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” ﴿التوبة 82﴾ وتشير الآية الثّانية إلى أنّ هؤلاء قد ظنوا بأنّهم قد حققوا نصرا بتخلفهم وتخذيلهم المسلمين وصرف أنظارهم عن مسألة الجهاد، وضحكوا لذلك وقهقهوا بملء أفواههم، وهذا هو حال المنافقين في كل عصر وزمن، إلّا أنّ القرآن حذّرهم من مغبة أعمالهم فقال: “فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيراً” ﴿التوبة 82﴾. نعم، ليبكوا على مستقبلهم المظلم ليبكوا على العذاب الأليم الذي ينتظرهم ليبكوا على أنّهم أعلقوا كل أبواب العودة بوجوههم، وأخيرا ليبكوا على ما أنفقوا من قوتهم وقدراتهم وعمرهم الثّمين، واشتروا به الخزي والفضيحة وسوء العاقبة وتعاسة الحظ. وفي نهاية الآية يبيّن اللّه تعالى أنّ هذه العاقبة التي تنتظرهم هي “جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ” ﴿التوبة 82﴾. ممّا قلناه يتّضح أنّ المقصود هو: إنّ هذه الجماعة يجب أن يضحكوا قليلا في هذه الدنيا ويبكوا كثيرا، لأنّهم لو اطلعوا على ما ينتظرهم من العذاب الأليم لبكوا كثيرا ولضحكوا قليلا بالفعل. إلّا أنّ بعض المفسّرين يذكر رأيا آخر في تفسير هذه الآية، وهو أنّهم مهما ضحكوا فإنّ ضحكهم قليل لقصر عمر الدنيا، وسيبكون في الآخرة بكاء بحيث أن كل بكاء الدنيا لا يعادل شيئا من ذلك البكاء. غير أن التّفسير الأوّل أنسب وأوفق لظاهر الآية، وللتعبيرات المشابهة لها سواء وردت في الأقوال أم الكتابات، خاصّة إذا علمنا أن اللازم من التّفسير الثّاني أن يكون معنى الأمر في الآية هو الإخبار لا الأمر، وهذا خلاف الظاهر. ويشهد للمعنى الأوّل الحديث المعروف عن النّبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم، والذي ذكره كثير من المفسّرين، حيث قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا).
جاء في موقع موضوع عن تدريبات وأمثلة على الطباق للكاتبة إيمان لحلوح: أمثلة على الطباق الحقيقي الطباق الحقيقي، وهو الطباق الذي يجمع بين لفظين حقيقيين متضادين في المعنى، وصور عليه فيما يأتي: قوله تعالى: “وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ” (الكهف 18) فكلمتا “أيقاظًا- رقود” هما اسمان متضادان في المعنى. قوله تعالى: “وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ” (النجم 43) فكلمتا “أضحك- أبكى” هما فعلان متضادان في المعنى. قوله تعالى: “وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَ” (البقرة 228) فكلمتا “لهن- عليهن” هما حرفان متضادان في المعنى. قوله تعالى: “وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ” (آل عمران 49) فكلمة “أحيي” فعل، وكلمة “الموتى” اسم، فجاء الطباق هنا بين نوعين من الكلمة. أمثلة على الطباق المجازي الطباق المجازي، هو الطباق الذي يجمع بين لفظين متضادين في المعنى غير حقيقيين على سبيل المجاز، مثل: قوله تعالى: “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ” (الأنعام 122) فكلمة “ميتًا” جاءت هنا بمعنى الضلال والكفر على سبيل المجاز، وجملة ” فأحييناه” جاءت الحياة هنا بمعنى الهدى والإيمان على سبيل المجاز، والكلمتان متضادان في معنيهما. أمثلة على الطباق المعنوي الطباق المعنوي، هو الطباق الذي يكون بين شيئين متضادتين في المعنى، وليس في الألفاظ، مثل: قوله تعالى: “إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ* قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ” (يس 15-15) إنّ كلمة مرسلون تعني هنا صادقون، فتوضّح الطباق من خلال المعنى. أمثلة على طباق الإيجاب وهو الطباق الذي يكون بين معنيين متضادين سواء أكانا مثبتين أم منفيين، مثل: قوله صلى الله عليه وسلم:”خيرُ المال عينٌ ساهرةٌ لعينَ نائمةٍ”، فكلمتا “ساهرة- نائمة” متضادتان في المعنى مثبتتان. أمثلة على طباق السلب وهو الطباق الذي يجمع بين معنيين أحدهما مثبت والآخر منفي، مثل: قوله تعالى: “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ” (الزمر 9) حيث إنّ الفعل يعلمون كان مثبتًا في الشق الأول، ومنفيًا ب”لا” في الشق الثاني.