زيارة الأربعين بين قدسية الشعائر ومظاهر العسكرة

(قراءة في ترند الصواريخ وموقف السيد مقتدى الصدر) 

حسين شكران الأكوش العقيلي

في كل عام، تتجدد زيارة الأربعين كحدث روحي وإنساني فريد، تتقاطر فيه الجموع من كل فجٍّ عميق، مشيًا على الأقدام، حاملين في قلوبهم لوعة الحسين عليه السلام، وراياته التي لم تطأطئ رأسها أمام سلطان جائر. إنها ليست مجرد مسيرة، بل هي تجلٍّ حيٌّ لصرخة الإصلاح التي أطلقها الإمام الشهيد من قلب كربلاء، لتبقى خالدة في ضمير الأمة.

لكن هذا العام، وفي خضم هذا المشهد المهيب، ظهرت صورة غريبة عن السياق الروحي للزيارة ؛ موكب يحمل مجسمات لصواريخ، يتقدّم بين الزائرين وكأنه إعلان عسكري في قلب الطهارة. لم يكن الأمر مجرد زينة أو تعبير رمزي، بل بدا وكأنه محاولة لفرض سردية مغايرة على شعيرة يفترض أن تبقى نقية من كل توظيف سياسي أو عسكري.

#بين الرمز الحسيني والرمزية العسكرية

زيارة الأربعين ليست ساحة استعراض للقوة، بل هي فضاء للتوبة، والوعي، والتجديد الروحي. إن إدخال رموز عسكرية كالصواريخ إلى هذا السياق، يُعدّ خرقًا صارخًا لروح الشعيرة، وتلويثًا لرمزيتها التي تقوم على رفض الظلم لا على محاكاته. فالحسين عليه السلام لم يحمل سلاحًا ليُرهب، بل حمل موقفًا ليُوقظ.

إن عسكرة الشعائر الدينية، ولو رمزيًا، تفتح الباب أمام تحولات خطيرة في الوعي الجمعي، حيث تُستبدل رسالة الإصلاح برسائل القوة، ويُستبدل منبر الوعي بمنصة الاستعراض. وهذا ما استشعره السيد مقتدى الصدر أعزه الله ، حين أطلق تصريحه الحازم ( عسكرة المراقد ممنوعة) في موقف يُعيد ضبط البوصلة، ويؤكد أن قدسية المكان لا تحتمل التوظيفات العابرة.

#موقف السيد الصدر: بين المرجعية الشعبية والضبط الرمزي

جاء تصريح السيد مقتدى الصدر دام عزه، لا كبيان سياسي، بل كصرخة إصلاحية في وجه الانحراف الرمزي. فالرجل الذي يحمل إرثًا دينيًا وشعبيًا، يدرك أن المراقد ليست ثكنات، وأن الزائر لا يأتي ليُصفّق لصاروخ، بل ليبكي على جرح الأمة، ويجدد العهد مع قيمها.

إن هذا الموقف يُعيد الاعتبار لزيارة الأربعين كحدث إصلاحي، لا كمنصة دعائية. ويُعيد التأكيد على أن الدين لا يُختزل في القوة، بل في الرحمة، وأن الحسين عليه السلام لا يُستحضر بصواريخ، بل بدمعة، وصرخة، وموقف.

#ترند الصواريخ: قراءة في الدلالة والمآلات

ما حدث من إدخال مجسمات الصواريخ إلى المواكب، وإن بدا للبعض تعبيرًا عن الانتماء أو المقاومة، إلا أنه يحمل دلالات مقلقة:

– أولًا، يُحوّل الشعيرة من فضاء روحي إلى مشهد تعبوي.

– ثانيًا، يُربك الصورة العالمية للزيارة، التي باتت تُنظر إليها كأكبر تجمع سلمي في العالم.

– ثالثًا، يُهدد وحدة الخطاب الحسيني، ويُدخل عليه عناصر تشتيتية لا تخدم رسالته.

إن ترند الصواريخ، وإن كان عابرًا، إلا أنه يكشف عن حاجة ملحة لإعادة تأهيل الوعي الجمعي، وتحصينه من الانزلاق نحو الرمزية العسكرية التي تُفرغ الشعائر من مضمونها الإصلاحي.

#دعوة لإعادة ضبط البوصلة الحسينية

إننا، ونحن نكتب هذه السطور، لا نرثي زيارة الأربعين، بل نذود عنها. نذود عن رمزيتها، عن قدسيتها، عن رسالتها التي لا تحتمل التشويه. فالحسين عليه السلام لم يُقتل ليُستثمر، بل ليُستلهم. وزيارته ليست مناسبة للعرض، بل للوعي.

ندعو كل من يحمل راية الإصلاح، أن يُعيد النظر في مظاهر العسكرة، وأن يُحصّن الشعائر من التوظيفات التي تُفرغها من معناها. فالحسين عليه السلام لا يُستحضر إلا بالصدق، والعدل، والوعي، لا بالصواريخ ولا بالراجمات.

#ختاما الحسين منبر الإصلاح لا منصة السلاح

زيارة الأربعين هي منبرٌ مفتوحٌ لكل من أراد أن يُصلح، لا أن يُستعرض. وهي دعوةٌ دائمةٌ للعودة إلى جوهر الدين، إلى الإنسان، إلى الحسين الذي قال: (إني لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا، ولكن خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) .

فلنحفظ هذا المنبر من التشويه، ولنُبقيه شعلةً للضمير، لا منصةً للسلاح.