أزمة التربية في مجتمعاتنا العربية

اميمة محفوظ

يولد كل يوم أطفال يجدون الطعام على موائدهم، والملابس في خزائنهم، وتُؤمَّن لهم المدارس والمستلزمات، لكنهم في العمق يعيشون حرمانًا من نوع آخر: حرمانًا من الدفء العاطفي والاحتضان النفسي. هنا تكمن إشكالية جوهرية في التربية المعاصرة بمجتمعاتنا، إذ يختزل بعض الآباء مفهوم التربية في إشباع الحاجات المادية، متناسين أن الطفل كائن وجداني واجتماعي، يحتاج إلى الحنان كما يحتاج الغذاء، وكما يحتاج التعليم يحتاج إلى الأمان العاطفي.

من السهل أن توفّر لطفلك مأكلًا ومأوى، لكن الأصعب أن تربيه على نفسيةٍ سليمة، وهو ما يحتاج وعيًا وجهدًا، وآباء أصحاء نفسيًا، لا أغنياء ماديًا فقط. حسب “جون بولبي” الطفل الذي يحظى بعلاقة آمنة وداعمة مع والديه، يطور قدرة أعلى على الثقة بالآخرين، وتنظيم انفعالاته، ومواجهة تحديات الحياة. وعلى النقيض، فإن غياب هذا التعلق الآمن يخلق فجوة نفسية قد ترافق الفرد مدى الحياة، مهما بلغ مستواه التعليمي أو المادي.

المؤسف أن أساليب التربية التقليدية في كثير من البيوت العربية لا تزال تعيد إنتاج أنماط سلطوية وقاسية، حيث يُعاقب الطفل لبراءته، ويُلام على إخفاقاته، ويُحرم من الحنان بحجة “تربيته على القوة”. هذه الممارسات لا تنشئ شخصيات قوية، بل تبني أفرادًا مثقلين بـ”الندوب النفسية” التي قد تتوارث عبر الأجيال. الأسرة هنا،  بوصفها الوكيل الأول للتنشئة، مسؤولة عن تزويد الطفل ليس فقط بالمهارات المعرفية والاكاديمية، بل أيضًا بالقدرة على التعبير عن ذاته، وإقامة علاقة صحية معها.

التربية الحقيقية لا تُقاس بكمية الشهادات التي يحملها الطفل، ولا بنظافة ملابسه، بل بقدرته على الحب، على الثقة، على أن يعيش ذاته دون خوف. وهذا لن يتحقق برفاهية العيش أو جودة التعليم وحدهما، بل يبدأ من داخل البيت: من حضن سابق للوم، وكلمة طيبة قبل التوجيه، وفهم قبل الحكم. إن إصلاح الخلل التربوي في مجتمعاتنا يتطلب وعيًا بأن بناء الإنسان عملية شاملة، تجمع بين الغذاء للجسد والغذاء للروح، وبين المعرفة الأكاديمية والمهارات العاطفية. فما لم ندرك أن العاطفة ليست ترفًا، بل حاجة نفسية أساسية، سنظل نربي أجسادًا متعلمة، وأرواحًا جائعة.