يحيى هركي
المقدمة:
العراق، أرض الحضارات الأولى ومهد الديانات، يمرّ اليوم بمأساة إنسانية صامتة. أقلياته الدينية – من اليهود إلى المسيحيين والإيزيديين والكاكائيين – تغادر الوطن الذي عاشوا فيه منذ آلاف السنين. يتركون بيوتهم وكنائسهم ومعابدهم وهم يدركون أن العودة مستحيلة، لأنهم فقدوا الإحساس بالأمان والكرامة في وطن كان ينبغي أن يكون لهم حضنًا لا سجنًا.
ومنذ خمسينيات القرن الماضي، حين بدأت هجرة اليهود العراقيين إلى إسرائيل ودول أخرى، فتحت أبواب النزوح القسري على مصراعيها. لم تتوقف الموجة عند اليهود، بل لحقتها موجات هجرة المسيحيين والإيزيديين والكاكائيين، حتى باتت قراهم وبلداتهم فارغة أو شبه خالية.
الفارق بين المهاجر المسلم والمهاجر من الأقليات واضح: المسلم قد يهاجر ثم يعود ليستثمر ويعيش في وطنه مجددًا، أما أبناء الأقليات فحين يغادرون لا يعودون أبدًا، لا في حياتهم ولا حتى بعد موتهم. لقد فقدوا ثقتهم في أن العراق يمكن أن يحميهم.
وبما ان الحكومات العراقية وحكومة إقليم كردستان ترفع دائمًا شعارات الدفاع عن حقوق الأقليات. لكن الحقيقة أن هذه ليست مِنّة، بل واجب أصيل، فالأقليات لم تأتِ من الخارج، بل هي جزء أصيل من نسيج العراق منذ آلاف السنين. المشكلة ليست فقط في القوانين، بل في العقلية الاجتماعية: الغالبية المسلمة – عربية وكردية – ما زالت تنظر إلى هذه المكوّنات على أنها مواطنون من درجة ثانية أو ثالثة. وربما 10% فقط يتعاملون معهم على قدم المساواة، بينما 90% يرون فيهم “أقل شأنًا”.
ان ما يزيد الطين بلة بأن بعض المنابر الدينية، خصوصًا خطب الجمعة، لا تزال تدعو على المسيحيين واليهود، وتهاجم رموز الديانة الإيزيدية بلا سبب. وكأنها تريد إذلال مواطنين يعيشون بيننا منذ قرون! هذا الخطاب يتناقض مع صريح القرآن الكريم الذي يقول: «لا إكراه في الدين». فإذا كان الإسلام قد أقرّ بحرية المعتقد، فمن أين جاءت هذه الثقافة التي تفرض الوصاية على الآخرين؟
بل الأخطر أن الموجات السلفية وبعض تيارات الإخوان المسلمين ساهمت في زيادة الضغوط على الأقليات، بفرض الحجاب والعادات الإسلامية عليهم، وكأنهم ملزمون بما لا يؤمنون به.
وفي وجهة نظري يوجد مفارقة مؤلمة أن الأقليات كانت في أيام النظام السابق، رغم القمع السياسي العام، أكثر استقرارًا وأمانًا مما هي عليه بعد سقوطه. فالمراجع الشيعية، رغم خلافاتنا مع الكثير من مواقفها، كانت أقل تشددًا ومرون تجاه الأقليات مقارنة بالمراجع السنية، سواء كانت عربية أو كردية. لكن بعد صعود التيارات المتشددة، تضاعفت معاناة هذه المكوّنات الصغيرة.
واكتب بعض الحلول في راي الشخصي هنا للحد من هذه الظاهره وهي
أولًا، يجب على الحكومات أن تتوقف عن الاكتفاء بالتصريحات، وأن تتحول إلى سياسات حقيقية تضمن حماية الأقليات واستعادة ثقتهم بالوطن.
ثانيًا، ينبغي فرض رقابة على خطب الجمعة ومنع أي دعاء أو خطاب يحض على كراهية المسيحيين أو اليهود أو الإيزيديين. والالتزام التام بالايه الكريمه (لا اكراه في الدين ) فهؤلاء ليسوا أعداء، بل إخوة في الوطن.
ثالثًا، على رجال الدين أن يعيدوا النظر في خطاباتهم، وأن يتذكروا أن الإسلام جاء برسالة الرحمة لا الإقصاء.
وأخيرًا، على المجتمع أن يتعلم أن التنوع ليس ضعفًا، بل هو سر قوة العراق، وأن بقاء الأقليات فيه هو بقاء روحه وتاريخه.
الخلاصة:
إذا استمرت الأقليات في الرحيل، فإن العراق سيستيقظ يومًا ما ليجد نفسه بلا فسيفساءه التاريخية، بلا تنوعه الذي ميّزه عن غيره. المسيحي والإيزيدي واليهودي والكاكائي ليسوا ضيوفًا، بل هم أهل الدار منذ آلاف السنين.
حماية الأقليات ليست قضية إنسانية فقط، بل هي مسألة حياة أو موت للعراق نفسه. فمن دونهم، لن يبقى العراق سوى أرض بلا روح، ووطن يطرد أبناءه الحقيقيين.