صدمة الرئيس الفرنسي في السجن

كامل سلمان

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي أودع السجن بتهمة التمويل الخارجي الذي حصل عليه لحملته الانتخابية . الخبر لم يكن صادماً للمجتمع الفرنسي ولا للمجتمعات الحرة المتحضرة لأن المجتمعات الديمقراطية تؤمن و تثق بمؤسساتها القضائية العادلة لكن الصدمة للمجتمعات التي لا تفهم الديمقراطية ولا تعرف معنى القضاء العادل فتتساءل بتعجب ( كيف يُسجن رئيس الجمهورية ؟ )، في مجتمعاتنا عندما يخطأ المسؤول الأول في الدولة نفس الخطأ الذي وقع فيه الرئيس الفرنسي فأنه سيحصل على حسنة واحدة بدل الحسنتين لأن القضاء عندنا متمسك بجذوره الفقهية الدينية التي تمنح الحسنات للحاكم عندما يصيب في عمله أو عندما يخطأ لهذا السبب نحن نرفض التعاليم الخاصة بالديمقراطية ونعتبرها مخالفة للشريعة ، وكلمة نحن ليست بمعنى الشعب لأن الشعب لا قيمة لرأيه وإنما نحن بمعنى شيوخ العشائر والوجهاء ورجال الدين وأصحاب النفوذ الذين تقف وراءهم دول إقليمية فهؤلاء هم من ينطقون نيابة عن الشعب . فتوى واحدة تسكت الشعب وتسلب حقه في إبداء رأيه أو حركة استعراضية واحدة لمجموعات مسلحة في الشوارع تكفي لكي تسكت الشعب وتقطع لسانه والشعب سيستجيب للفتوى أو لرأي الشيخ أو للسلاح لأن الشعب على يقين بأن رأيه يتوقف عند هذه الموانع . أما الديمقراطية التي يتبجح بها أصحاب الشأن فهي الفسحة الزمنية قبل الانتخابات ليتعرف فيها الناخب على مرشحيه ويتعرف على صورهم في كل مكان ثم النزول إلى الشوارع زرافات لأجل إعلان البيعة ليس أكثر . بهذه المناسبة لو سألنا مواطنينا وحتى مسؤولينا في الدولة ماهي الديمقراطية التي نحن عليها سيكون الجواب ( انتخابات حرة وخروج الناس للشوارع بحرية لممارسة طقوسهم ) أما خروج الناس على الطريقة التي خرج بها ثوار تشرين فهي تمرد وخيانة واستجابة لمؤامرات السفارات ، وأما ملاحقة المسؤولين عن الفساد قضائياً فستنعكس بملاحقة من يحرض على ملاحقتهم فالقضاء في طوع أيديهم . . من المؤسف جداً نعيش مغفلين إلى هذا الحد ونتقبل الخطأ دون أن ندرك مضاره وتمر علينا الأيام والسنين ونحن في معزل عن معنى الحياة الحرة الكريمة . هل يعلم الناس بأن المسؤولين في الدول الديمقراطية يخشون الشعب ويهابونه ويعملون جهد إمكانهم لإرضائه ويخشون الصحافة والإعلام لأنها تكشف مالا يتم كشفه من خفايا المسؤولين ويخشون القضاء لأن المؤسسة القضائية سيف قاطع بتار لا يرحم ، فيما عندنا المسؤول هو من يخشاه الناس ويرتعبون منه والإعلام يتزلف إليه والقضاء مسامح كريم ، هذه ديمقراطية وتلك ديمقراطية ! . المسؤول عندنا ليس قوياً لكي يخلق لنفسه كل هذه الهالة من الرهبة بل هناك المؤسسة الدينية الحاضنة التي يتكأ عليها وهناك المؤسسة العشائرية التي ترسخ أقدامه وهناك الخوف والجهل الموروث عند الناس تزيد من سطوته ، هذا هو الفارق بين المياه الراكدة الآسنة والمياه الجارية العذبة ، نعم تلك مجتمعات كالمياه الجارية العذبة تستذوق طعمها و ترّوى ضمأ العطشان لأن حضور الناس بمجمل فعاليات الحياة عن وعي تعطي هذه النكهة للحياة ، أما عزوف الناس وتحييدهم عن جهل لمجمل فعاليات الحياة تجعل طبيعة مجتمعاتنا كالمياه الراكدة الآسنة . من العيب أن نسأل لماذا مجتمعاتنا متخلفة لأن الإنسان عندنا متخلف طوعاً وكرهاً ( أختار التخلف طوعاً لعدم معرفته بأهمية دوره في مستقبل بلده ومستقبل أجياله وفرض عليه الجهل كرهاً لكي يبقى بعيداً عن الوعي ليس له تأثيراً يذكر مشغولاً بهموم حياته ) . لو كان الرئيس الفرنسي هذا حاكماً في ديارنا ويقضي فترة وجوده في السلطة وعليه تهمة واحدة تافهة ( مجرد تمويل خارجي لحملته الانتخابية ) لوضعناه بمصاف الأولياء الصالحين لأن مثل هذا الإنسان في مقاساتنا ملاكاً يمشي على الأرض .

سلوا الليل عنا بعتمة ظلامه

سيولى خجلاً من ظلمة ليالينا