نفحات النضارة بمناسبة مولد الزهراء عليها السلام

د. فاضل حسن شريف

قال الله سبحانه “وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ” (القيامة 22-23) وردت ناضرة وناظرة في سورتين متتاليتين لوجود ارتباط بين النظر والنضر عندما يكون البصر والبصيرة في بهجة. يقول السيد الطباطبائي في تفسير الميزان: قوله تعالى: “وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ” (القيامة 22-23) وصف ليوم القيامة بانقسام الوجوه فيه إلى قسمين: ناضرة وباسرة، ونضرة الوجه واللون والشجر ونحوها ونضارتها حسنها وبهجتها. والمعنى: نظرا إلى ما يقابله من قوله: “وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ” (القيامة 24) الخ وجوه يوم إذ تقوم القيامة حسنة متهللة ظاهرة المسرة والبشاشة قال تعالى: “تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ” (المطففين 24) وقال: “وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا” (الأنسان 11) وقوله: ” إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ” (القيامة 23) خبر بعد خبر لوجوه، و “إِلَىٰ رَبِّهَا” متعلق بناظرة قدم عليها لإفادة الحصر أو الأهمية. والمراد بالنظر إليه تعالى ليس هو النظر الحسي المتعلق بالعين الجسمانية المادية التي قامت البراهين القاطعة على استحالته في حقه تعالى بل المراد النظر القلبي ورؤية القلب بحقيقة الايمان على ما يسوق إليه البرهان ويدل عليه الاخبار المأثورة عن أهل العصمة عليهم السلام وقد أوردنا شطرا منها في ذيل تفسير قوله تعالى: “قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ” (الأعراف 143)، وقوله تعالى: “مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى” (النجم 11). فهؤلاء قلوبهم متوجهة إلى ربهم لا يشغلهم عنه سبحانه شاغل من الأسباب لتقطع الأسباب يومئذ، ولا يقفون موقفا من مواقف اليوم ولا يقطعون مرحلة من مراحله إلا والرحمة الإلهية شاملة لهم “وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ” (النمل 89) ولا يشهدون مشهدا من مشاهد الجنة ولا يتنعمون بشئ من نعيمها إلا وهم يشاهدون ربهم به لأنهم لا ينظرون إلى شئ ولا يرون شيئا إلا من حيث إنه آية لله سبحانه والنظر إلى الآية من حيث إنها آية ورؤيتها نظر إلى ذي الآية ورؤية له. ومن هنا يظهر الجواب عما أورد على القول بأن تقديم “إِلَىٰ رَبِّهَا” على “نَاظِرَةٌ” يفيد الحصر والاختصاص، أن من الضروري أنهم ينظرون إلى غيره تعالى كنعم الجنة. والجواب أنهم لما لم يحجبوا عن ربهم كان نظرهم إلى كل ما ينظرون إليه انما هو بما أنه آية، والآية بما أنها آية لا تحجب ذا الآية ولا تحول بينه وبين الناظر إليه فالنظر إلى الآية نظر إلى ذي الآية فهؤلاء لا ينظرون في الحقيقة إلا إلى ربهم. وأما ما أجيب به عنه أن تقديم “إِلَىٰ رَبِّهَا” لرعاية الفواصل ولو سلم أنه للاختصاص فالنظر إلى غيره في جنب النظر إليه لا يعد نظرا، ولو سلم فالنظر إليه تعالى في بعض الأحوال لا في جميعها. فلا يخلو من تكلف التقييد من غير مقيد على أنه أسند النظر إلى الوجوه لا إلى العيون أو الابصار ووجوه أهل الجنة إلى ربهم دائما من غير أن يواجهوا بها غيره.

عن ابن عباس قال لما أن كانت ليلة زفت فاطمة إلى علي بن أبي طالب عليه السلام كان النبي صلى الله عليه واله قدامها و جبرئيل عن يمينها وميكائيل عن يسارها و سبعون ألف ملك من ورائها يسبحون الله و يقدسونه حتى طلع الفجر. ومن المناقب عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله أتاني ملك فقال يا محمد إن الله عز و جل يقرأ عليك السلام و يقول قد زوجت فاطمة من علي فزوجها منه و قد أمرت شجرة طوبى أن تحمل الدر والياقوت والمرجان وإن أهل السماء قد فرحوا لذلك و سيولد منهما ولدان سيدا شباب أهل الجنة و بهما تزين الجنة فأبشر يا محمد فإنك خير الأولين و الآخرين.

روي عن الإمام الصادق عليه السلام: (إذا بعـث الله المؤمـن مـن قبـره خـرج مـعـه مثال يقدمه أمامه، كلما رأى المؤمـن هـولاً من أهوال القيامة قال هل المثال: لا تجزع ولا تحـزن فيقول لـه المؤمن من أنت؟ فيقول أنا السرور الذي كنت أدخلته على أخيك المؤمن. أقول: هذا هو تجسيم الأعمال على القول به وقد صرحت بذلك روايات و آیات تفيد التجسم، أقول: هذا السرور على المؤمن له هذه الآثار، فكيف إذا أدخلت السرور على مولاتنا فاطمة الزهراء عليها السلام وذلك اسـعادها ببكائها على ولدها الحسين عليها السلام قال إمامنا الصادق عليه السلام لأبي بصير أما تحب ممن يسعد فاطمة في بكائها. روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال في حديث: (فوالذي وسع سمعه الأصوات، ما من أحد أودع قلباً سروراً إلا وخلـق الله له من ذلك السرور لطفاً، فإذا نزلت به نائبة جرى إليها كالماء في انحداره حتى يردها عنه، كما تطرد غريبة الابل)