د. فاضل حسن شريف
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَـٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ” ﴿التوبة 18﴾ “إنما يعمر مساجد الله” ﴿التوبة 18﴾ ولفظة إنما لإثبات المذكور، ونفي ما عداه، فمعناه: لا يعمر مساجد الله بزيارتها، وإقامة العبادات فيها، أو ببنائها ورم المسترم منها إلا “من آمن بالله واليوم الآخر” أي: من أقر بوحدانية الله، واعترف بالقيامة، “وأقام الصلاة” بحدودها، “وآتى الزكاة” أي: أعطاها إن وجبت عليه إلى مستحقها، “ولم يخش إلا الله” ﴿التوبة 18﴾ أي: لم يخف سوى الله أحدا من المخلوقين، وهذا راجع إلى قوله “أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه” أي: إن خشيتموهم فقد ساويتموهم في الإشراك، كما قال: “فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله” الآية “فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين” ﴿التوبة 18﴾ إلى الجنة، ونيل ثوابها، لأن عسى من الله واجبة، عن ابن عباس، والحسن، وفي ذكر الصلاة، والزكاة، وغير ذلك، بعد ذكر الإيمان بالله، دلالة على أن الإيمان لا يتناول أفعال الجوارح، إذ لو تناولها لما جاز عطف ما دخل فيه عليه. ومن قال. إن المراد فيه التفصيل، وزيادة البيان، فقد ترك الظاهر.
عن تفسير الميسر: قوله تعالى “إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَـٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ” ﴿التوبة 18﴾ مساجد اسم، إنَّما يَعمُرُ مساجِدَ الله: يعمرها بالصلاة و الصيانة و التطهير. لا يعتني ببيوت الله ويعمرها إلا الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ولا يخافون في الله لومة لائم، هؤلاء العُمَّار هم المهتدون إلى الحق.
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَـٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ” ﴿التوبة 18﴾ قوله تعالى: “إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر” ﴿التوبة 18﴾ الآية السياق كاشف عن أن الحصر من قبيل قصر الإفراد كان متوهما يتوهم أن للمشركين والمؤمنين جميعا أن يعمروا مساجد الله فأفرد وقصر ذلك في المؤمنين، ولازم ذلك أن يكون المراد بقوله: ﴿يعمر﴾ إنشاء الحق والجواز في صورة الإخبار دون الإخبار، وهو ظاهر. وقد اشترط سبحانه في ثبوت حق العمارة وجوازها أن يتصف العامر بالإيمان بالله واليوم الآخر قبال ما نفى عن المشركين أن يكون لهم ذلك ولم يقنع بالإيمان بالله وحده لأن المشركين يذعنون به تعالى بل شفع ذلك بالإيمان باليوم الآخر لأن المشركين ما كانوا مؤمنين به، وبذلك يختص حق العمارة وجوازها بأهل الدين السماوي من المؤمنين. ولم يقنع بذلك أيضا بل ألحق به قوله: “وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله” ﴿التوبة 18﴾ لأن المقام مقام بيان من ينتفع بعمله فيحق له بذلك أن يقترفه، ومن كان تاركا للفروع المشروعة في الدين وخاصة الركنين: الصلاة والزكاة فهو كافر بآيات الله لا ينفعه مجرد الإيمان بالله واليوم الآخر وإن كان مسلما، إذا لم ينكرها بلسانه، ولو أنكرها بلسانه أيضا كان كافرا غير مسلم. وقد خص من بينها الصلاة والزكاة بالذكر لكونهما الركنين الذين لا غنى عنهما في حال من الأحوال. وبما ذكرنا من اقتضاء المقام يظهر أن المراد بقوله: “ولم يخش إلا الله” ﴿التوبة 18﴾ الخشية الدينية وهي العبادة دون الخشية الغريزية التي لا يسلم منها إلا المقربون من أولياء الله كالأنبياء قال تعالى: “الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله” (الأحزاب 39). والوجه في التكنية عن العبادة بالخشية أن الأعرف عند الإنسان من علل اتخاذ الإله للعبادة الخوف من سخطه أو الرجاء لرحمته ورجاء الرحمة، أيضا يعود بوجه إلى الخوف من انقطاعها وهو السخط فمن عبد الله سبحانه أو عبد شيئا من الأصنام فقد دعاه إلى ذلك أما الخوف من شمول سخطه أو الخوف من انقطاع نعمته ورحمته فالعبادة ممثلة للخوف والخشية مصداق لها لتمثيلها إياها، وبينهما حالة الاستلزام، ولذلك كني بها عنها، فالمعنى – والله أعلم – ولم يعبد أحدا من دون الله من الآلهة. وقوله: “فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين” ﴿التوبة 18﴾ أي أولئك الذين آمنوا بالله واليوم الآخر ولم يعبدوا أحدا غير الله سبحانه يرجى في حقهم أن يكونوا من المهتدين، وهذا الرجاء قائم بأنفسهم أو بأنفس المخاطبين بالآية، وأما هو تعالى فمن المستحيل أن يقوم به الرجاء الذي لا يتم إلا مع الجهل بتحقق الأمر المرجو الحصول. وإنما أخذ الاهتداء مرجو الحصول لا محقق الوقوع مع أن من آمن بالله واليوم الآخر حقيقة وحققه أعماله العبادية فقد اهتدى حقيقة لأن حصول الاهتداء مرة أو مرات لا يستوجب كون العامل من المهتدين، واستقرار صفة الاهتداء ولزومها له، فالتلبس بالفعل الواقع مرة أو مرات غير التلبس بالصفة اللازمة فأولئك حصول الاهتداء لهم محقق، وأما حصول صفة المهتدين فهو مرجو التحقق لا محقق. وقد تحصل من الآية أن عمارة المساجد لا تحق ولا تجوز لغير المسلم أما المشركون فلعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وأما أهل الكتاب فلأن القرآن لا يعد إيمانهم بالله إيمانا قال تعالى: “إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا” (النساء 151)، وقال أيضا في آية 29 من السورة: “قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب” الآية.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَـٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ” ﴿التوبة 18﴾ أي لا يجوز لأحد أن يدخل المساجد ويتعبد فيها أو يتولى شيئا من أمورها إلا إذا اجتمعت فيه هذه الصفات، وهي الإيمان باللَّه واليوم الآخر، وإقامة الشعائر الدينية، وأهمها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والخوف من اللَّه أي الإخلاص له في الأقوال والأفعال “فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ” ﴿التوبة 18﴾ إلى الحق والعمل به، وكلمة عسى من اللَّه تفيد اليقين، لأن الشك محال عليه.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قال الله تعالى “إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَـٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ” ﴿التوبة 18﴾ مساجد اسم، إنَّما يَعمُرُ مساجِدَ الله: يعمرها بالصلاة و الصيانة و التطهير. من يعمر مساجد اللّه؟ من جملة المسائل التي يمكن أن تخالط أذهان البعض بعد إلغاء عهد المشركين وحكم الجهاد، هو: لم نبعد هذه الجماعة العظيمة من المشركين عن المسجد الحرام لأداء مناسك الحج، مع أنّ مساهمتهم في هذه المراسم عمارة للمسجد من جميع الوجوه (المادية والمعنوية) إذ يستفاد من إعاناتهم المهمّة لبناء المسجد الحرام، كما يكون لوجودهم أثر معنوي في زيادة الحاجّ والطائفين حول الكعبة المشرفة وبيت اللّه. فالآيتان- محل البحث- تردّان على مثل هذه الأفكار الواهية التي لا أساس لها، وتصرّح الآية الأولى منهما بالقول: “ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ” (التوبة 17). وشهادتهم على كفرهم جلية من خلال أحاديثهم وو أعمالهم، بل هي واضحة في طريقة عبادتهم ومراسم حجّهم. ثمّ تشير الآية إلى فلسفة هذا الحكم فتقول: “أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ” (التوبة 17). ولذلك فهي لا تجديهم نفعا: “وفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ” (التوبة 17) . فمع هذه الحال لا خير في مساعيهم لعمارة المسجد الحرام وبنائه وما إلى ذلك، كما لا فائدة من كثرتهم واحتشادهم حول الكعبة. فاللّه طاهر منزّه، وينبغي أن يكون بيته طاهرا منزّها كذلك، فلا يصح أن تمسه الأيدي الملوثة بالشرك. أمّا الآية التّالية فتذكر شروط عمارة المسجد الحرام- إكمالا للحديث آنف الذكر- فتبيّن خمسة شروط مهمّة في هذا الصدد، فتقول، “إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ” (التوبة 18). وهذا النص إشارة إلى الشرطين الأوّل والثّاني، اللذين يمثلان الأساس العقائدي، فما لم يتوفر هذان الشرطان لا يصدر من الإنسان أي عمل خالص نزيه، بل لو كان عمله في الظاهر سليما فهو في الباطن ملّوث بأنواع الأغراض غير المشروعة. ثمّ تشير الآية إلى الشرطين الثّالث والرّابع فتقول: “وأَقامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكاةَ” (التوبة 18). أي أن الإيمان باللّه واليوم الآخر لا يكفي أن يكون مجرّد ادعاء فحسب، بل تؤيده الأعمال الكريمة، فعلاقة الإنسان باللّه ينبغي أن تكون قوية محكمة، وأن يؤدي صلاته بإخلاص، كما ينبغي أن تكون علاقته بعباد اللّه وخلقه قوية، فيؤدي الزكاة إليهم. وتشير الآية إلى الشرط الخامس والأخير فتقول: “ولَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ”. فقلبه مليء بعشق اللّه، ولا يحسّ إلّا بالمسؤولية في امتثال أمره ولا يرى لأحد من عبيده أثرا في مصيره ومصير مجتمعه وتقدمه، هم أقل من أن يكون لهم أثر في عمارة محل للعبادة. ثمّ تضيف الآية معقبة بالقول: “فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ” (التوبة 18) فيبلغون أهدافهم ويسعون لعمارة المسجد.