نبذ الفاحشة في القرآن الكريم

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تبارك وتعالى “قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ” ﴿الأعراف 33﴾ بين سبحانه المحرمات، فقال: “قل” يا محمد “إنما حرم ربي الفواحش” أي: جميع القبائح والكبائر، عن الجبائي، وأبي مسلم (ما ظهر منها وما بطن) أي: ما علن منها، وما خفي. وقد ذكرنا ما قيل فيه في سورة الأنعام، ومعناه لم يحرم ربي إلا الفواحش لما قد بينا قبل أن لفظة “إنما” محققة لما ذكرنا فيه، لما لم يذكر، فذكر القبائح على الاجمال. ثم فصل للبيان، فقال: “والإثم والبغي” فكأنه قال: حرم ربي الفواحش التي منها الإثم، ومنها البغي، ومنها الإشراك بالله. وقيل: إن الفواحش هي الزنا، وهو الذي بطن منها، والتعري في الطواف، وهو الذي ظهر منها، عن مجاهد. وقيل: هي الطواف فما ظهر منها: طواف الرجال بالنهار، وما بطن: طواف النساء بالليل. والإثم: قيل هو الذنوب والمعاصي، عن الجبائي. وقيل: الإثم ما دون الحد عن الفراء. وقيل: الإثم الخمر عن الحسن.

وعن تفسير الميزان للعلامة السيد الطباطبائي: قوله تعالى “إِنَّ اَلَّذِينَ جَاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ” (النور 11)، الإفك على ما ذكره الراغب الكذب مطلقا والأصل في معناه أنه كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه كالاعتقاد المصروف عن الحق إلى الباطل والفعل المصروف عن الجميل إلى القبيح، والقول المصروف عن الصدق إلى الكذب، وقد استعمل في كلامه تعالى في جميع هذه المعاني. وذكر أيضا أن العصبة جماعة متعصبة متعاضدة، وقيل: إنها عشرة إلى أربعين. والمستفاد من الآيات أنهم رموا بعض أهل النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله بالفحشاء، وكان الرامون عصبة من القوم فشاع الحديث بين الناس يتلقاه هذا من ذاك، وكان بعض المنافقين أو الذين في قلوبهم مرض يساعدون على إذاعة الحديث حبا منهم أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا فأنزل الله الآيات ودافع عن نبيه صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله.

جاء في الامثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: الإمام الباقر عليه السّلام قال: استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة و كان النساء يقنعن خلف إذانهن، فنظر إليها و هي مقبلة، فلمّا جازت نظر إليها و دخل زقاق قد سمّاه يعني فلأن، فجعل ينظر خلفها و اعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشقّ وجهه، فلمّا مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه و صدره، فقال: و اللّه لاتين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لأخبرنّه، قال: فآتاه فلمّا رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال له: ما هذا فأخبره، مهبط جبرئيل عليه السّلام بهذه الآية: “قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى‌ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ” (النور 30)‌. إنّ هذه السورة في الحقيقة اختصت بالعفة و الطهارة و تطهير الناس من جميع الأنحرافات الجنسية، و بحوثها منسجمة، و هي تدور حول الأحكام الخاصّة بالنظر إلى الأجنبية و الحجاب، و لا يخفى على أحد ارتباط هذا البحث بالبحوث الخاصّة بالقذف. تقول الآية أوّلا: “قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ‌” (النور 30). و كلمة “يَغُضُّوا” مشتقّة من غضّ من باب ردّ و تعني في الأصل التنقيص، و تطلق غالبا على تخفيض الصوت و تقليل النظر. لهذا لم تأمر الآية أن يغمض المؤمنون عيونهم. بل أمرت أن يغضّوا من نظرهم. و هذا التعبير الرائع جاء لينفي غلق العيون بشكل تام بحيث لا يعرف الأنسان طريقه بمجرّد مشاهدته امرأة ليست من محارمه، فالواجب عليه أن لا يتبحّر فيها، بل أن يرمي ببصره إلى الأرض، و يصدق فيه القول أنه غضّ من نظره و أبعد ذلك المنظر من مخيلته. و ممّا يلفت النظر أنّ القرآن الكريم لم يحدد الشي‌ء الذي يستوجب غضّ النظر عنه. ليكون دليلا على عموميته. أي غضّ النظر عن جميع الأشياء التي حرم اللّه النظر إليها. اختلف المفسّرون في تعليل وجود”مِنْ” في جملة يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ‌ فقال بعضهم إنّها للتبعيض و قيل: إنّها زائدة، و قيل: ابتدائية. و لكن الظاهر هو المعنى الأوّل. قد جاء في حديث عن الإمام الصادق عليه السّلام قوله: (كلّ آية في القرآن فيها ذكر الفروج فهي من الزنا، إلّا هذه الآية فإنّها من النظر). و تناولت الآية التالية شرح واجبات النساء في هذا المجال، فأشارت أوّلا إلى الواجبات التي تشابه ما على الرجال، فتقول: “وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ” (النور 31)‌. و بهذا حرم اللّه النظر بريبة على النساء أيضا مثلما حرّمه على الرجال، و فرض تغطيه فروجهن عن أنظار الرجال و النساء مثلما جعل ذلك واجبا على الرجال. ثمّ أشارت الآية إلى مسألة الحجاب في ثلاث جمل: “وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها” (النور 31). اختلف المفسّرون في تفسير الزينة التي تجب تغطيتها، و الزينة الظاهرة التي يسمح باظهارها. فقال البعض: إنّ الزينة المخفية هي الزينة الطبيعية في المرأة اي جمال جسم المرأة في حين أن استخدام هذه الكلمة بهذا المعنى قليل. و قال آخرون: إنّها تعني موضع الزينة: لأن الكشف عن أداة الزينة ذاتها كالعضد و القلادة مسموح به، فالمنع يخص موضعها، أي اليدين و الصدر مثلا. و قال آخرون: خصّ المنع أدوات الزينة عند ما تكون على الجسم، و بالطبع يكون الكشف عن هذه الزينة مرادفا للكشف عن ذلك الجزء من الجسم. و هذين التّفسيرين الأخيرين لهما نتيجة واحدة على الرغم من متابعة القضية عن طريقين مختلفين. و الحق أنّنا يجب أن نفسر الآية على حسب ظاهرها و دون حكم مسبّق، و ظاهرها هو التّفسير الثّالث. و على هذا، فلا يحق للنساء الكشف عن زينتهن المخفية، و إن كانت لا تظهر أجسامهن، أي لا يجوز لهن الكشف عن لباس يتزيّن به تحت اللباس العادي أو العباءة، بنصّ القرآن الذي نهاهنّ عن ذلك.

جاء عن مركز الاشعاع الاسلامي متى يتحقق الزنى؟ للشيخ صالح الكرباسي: لا يتحقق مفهوم الزنى الموجب للتحريم و الحد إلا بعد توافر الشروط التالية: 1. إدخال الحشفة 1 قُبُلاً أو دُبُراً، لثبوت النص بأن التقاء الختانين يوجب الغسل و المَهْر و الحد، و عليه فلا يتحقق الزنى بالضَّم و التقبيل و التفخيذ، و ان كان محرماً يوجب التعزير 2. 2. البلوغ، لحديث: ” رفع القلم عن الصبي، حتى يحتلم و عن المجنون، حتى يفيق، و عن النائم، حتى يستيقظ “. أجل، إذا زنى غير البالغ بالبالغة فعيله التعزير، و عليها الجَلْد. 3. العقل، فلا حد على المجنون، للحديث المذكور. 4. العلم، فإذا عقد جاهلاً على اخته من الرضاع، أو امرأة في العدة، أو اعتقد أن مجرد الرضا كافٍ في الحل، و لو من غير عقد، و وطأ فلا شيء عليه سوى أن الموطوءة في العدة الرجعية تحرم على الواطئ مؤبداً. و بكلمة ان كل من وطأ امرأة متوهماً الحل، و هي محرمة عليه، يسقط عنه الحد، سواء أكان جاهلاً بالحكم فقط، كما لو علم أنّه رضع هو و هذه من لبن واحد، و جهل بتحريم العقد عليها، أو كان جاهلاً بالموضوع فقط، كما لو علم بتحريم العقد على الأخت من الرضاع، و جهل بأن هذه أخته من الرضاع، و سواءً أكان جهله عن قصور، أو عن تقصير، لحديث: ” تدرأ الحدود بالشُبُهات “. أجل إن الجاهل عن تقصير يستحق العقاب يوم القيامة، و لا عقوبة عليه في الدنيا. الحد الشرعي: مصطلح فقهي و شرعي يُطلق على العقوبة التي نصت عليها الشريعة الاسلامية و أوجبت انزالها بالعاصي الذي ارتكب جريمة معينة. و يُسمَّى الحَدُّ عُقُوبةً مقَدَّرَة، لأن الشارعَ هو الذي قدَّرَها، و الغاية من تشريع الحدود هي الرَّدع و الزجر عن المُحَرَّمات. و تجدر الاشارة هنا الى أن الحد يُسمى عقوبة مقدرة في مقابل التعزير الذي هو عقوبة غير مقدرة، ذلك لأن عقوبة التعزير يفرضها الحاكم على المذنب لتأديبه بما يراه مناسباً من الضرب مما دون الحدّ الشرعي المقرر، فهو عقوبة غير محدّدة صاحب القرار فيها هو الحاكم الشرعي ( القاضي ) المنصوب من قِبَل الفقيه الجامع للشروط. اسباب الحدود: قال الفقهاء: إن أسباب الحد سبعة: الزنى، و ما يتبعه كاللواط و المساحقة و القياد، و القذف، و شرب الخمر، و السرقة، و قطع الطريق، و الارتداد.