السياسة كعرض دائم

السياسة كعرضٍ دائم

كتب رياض الفرطوسي

تخيّل لحظة صمتٍ مطبقة قبل أن تنهار فجأة، حين يبدأ صوت فيروز في مسرحية ميس الريم يتسلّل بين البيوت البيضاء، الطرق الترابية، والساحة التي تنتظر المختار أو أي شخصية من عالمها المألوف وغير المألوف. الريح تهبّ بين الأعمدة، والهواء محمّل بفرح وحزن لا يعرفان حدود الرئة، وكأن القرية نفسها تحاول أن تهمس بسرٍّ لا يُقال إلا بصوت يغنّي. الصوت هنا ليس مجرد غناء، بل وطن صغير يحتوينا، جناحيه الطويلان يغمراننا، لنصبح جزءاً من المكان، جزءاً من الساحة، جزءاً من كل الإيقاعات التي تتحرك بلا جدران.

ميس الريم ليست مجرد قرية، بل فضاء رمزيّ، صرح من علامات تتحدث بلغة الواقع المغلّف بالأسطورة. الساحة، البيوت، الطرق الترابية، المختار، النجّار، الميكانيكي، كلّها علامات تحمل دلالات الحياة اليومية، السلطة، الانقسام، وصراع الماضي مع الحاضر. هنا، تتحوّل الحياة اليومية إلى مشهد سياسي، كل توقف، كل خطاب عن الإصلاح، كل اجتماع، هو جزء من عرض دائم يعرفه الجميع، لكنه لا يتغيّر إلا حين يقدّم أحدهم الفعل الذي يحرك الجمود.

أغنية (هالسيّارة مش عم تمشي) تأخذنا مباشرة إلى قلب الأزمة: السيارة التي لا تتحرك ليست مجرد مركبة، بل رمز لوطن متوقف، نظام سياسي يرهق الجميع بالكلام، بالوعود، وبورش إصلاح وهمية لا وجود لها. التكرار الطفولي للجملة يحوّلها إلى علامة حيّة لكل ما هو معطل: السلطة، الإدارة، العلاقات، وحتى الأحلام. الضحك هنا ليس مجرد تسلية، بل كشف للحقيقة؛ السياسة تُعرض على المسرح، بلا فعل، بلا قرار، بلا نهاية واضحة، والجميع يعرف العطب، لكن أحداً لا يجرؤ على (دفش) دفع المركبة.

في هذا المشهد، يظهر عنصر الزمن المختلف، الصوت الطارئ، شخصية زيّون، التي تأتي من المدينة لتحمل لغة أخرى وإيقاعاً مختلفاً. حضورها يفتح نافذة على الفعل المباشر، على التحرك دون انتظار، ويعيد ترتيب المشهد دون صدام، دون عنف، دون تشويه الأسطورة. صوت فيروز وجسدها يصبحان علامة حية، تمنح الحكاية القدرة على التحوّل، لتذكّرنا أن الجمود ليس قانوناً، وأن الحركة ممكنة رغم كل الانتظار.

صوت فيروز ليس فقط موسيقى؛ إنه تجربة سياسية واجتماعية ونفسية متكاملة. حنجرتها، المتوهجة بالفرح والحزن، تمتد إلى رئات المستمعين لتحتويهم جميعاً، لتصبح الوطن نفسه حاضراً فيهم، سواء كانوا يراقبون أم يشاركون، يعيشون أم يتأملون. إنه الصوت الذي يحوّل الانتظار إلى تجربة، والجمود إلى لحظة وعي، والقلق إلى متعة اكتشاف المعنى وراء كل إيقاع.

الموسيقى نفسها، البيانو والكمان والإيقاعات المتوقفة، تعمل كجهاز سيميولوجي كامل، كل نغمة، كل همسة، كل توقف وإعادة، تفرض على العقل أن يعيد ترتيب الأولويات، أن يلاحظ الجمود، أن يتساءل عن المسؤولية، وأن يشعر بالغبن والحنين في آن واحد. المقدمة الموسيقية التي وضعها زياد الرحباني تحرّك الصمت، تعلن أن الريف ليس بريئاً، وأن القرية ليست مجرد ذكريات، وأن الحكاية ليست مجرد كوميديا.

هكذا، تتشابك السياسة بالفن، والغناء بالفعل، والموسيقى بالوعي. كل شخصية، كل علامة، كل تكرار، وكل نغمة، تصبح جزءاً من عرض دائم، يعلّمنا أن الانتظار، الضحك، والانكسار، ليست مجرد أفعال يومية، بل انعكاس لما يحدث في وطن متوقف عن الحركة، يعاني العطب، ويحتاج فقط إلى دفعة فعلية، مبادرة حقيقية، صوت أو فعل يكسر الجمود.

في هذا العالم، الغناء ليس فقط طرباً، بل فعل سياسي، الوطن المؤقّت الذي يمكن للأرواح أن تعيش فيه، مساحة للجمال، للفعل، وللخيال، حيث يصبح المستمع مشاركاً، وحيّاً، وحاملًا للوعي الذي يعيد ترتيب الواقع. السياسة هنا، كما العرض، مستمرة، معلقة، ممتدة بلا نهاية، لكنها قابلة للحركة حين يتحرك أحدهم.