بطولة “مسلم” بإنقاذ المحتفلين اليهود: حجر عثرة في طريق المتطرفين وخطاب الكراهية من الجانبين؟

صباح البغدادي

في تصرف غير مبرر , يخفي وراء الأكمة ما وراءها ومعبر بصورة خفية عن حالة من الغضب لأنه اكتشف أنه “مسلم” وليس “يهوديا” ونحن على ثقة تامة بهذا الأمر وقراءة منا استباقية لما سوف تكشفه الساعات والأيام القادمة بانه كان يعلم جيدآ بان المنقذ “مسلم ” وليس “يهوديآ” ، ولكن “نتنياهو” يصر على سرقة بطولة مسلم شجاع علنًا ، رغم علمه التام والمسبق بهوية المنقذ الحقيقي ! “أحمد الأحمد” ، المسلم الأسترالي والذي خاطر بحياته وأصيب برصاصتين لينتزع سلاح أحد الإرهابيين وينقذ يهودًا أبرياء في “بوندي بيتش “، تحول في فم نتنياهو إلى “يهودي قفز على المهاجم وانتزع سلاحه” ! هذه ليست مجرد زلة لسان، بل محاولة وقحة ومقصودة لسرقة فعل بطولي من مسلم، ونسبه زورًا إلى يهودي، في وقت يُفترض أن يُشاد فيه بالإنسانية المشتركة . وهذا ما اتضح ومن خلال متابعتنا الى الانتقادات الحادة التي انهالت عليه على منصة ” X ” لتكشف معها حجم الفضيحة والتي كانت مفادها اغلب انتقادات المتابعين والمشاركين والقراء تتمحور بان : ” نتنياهو يكذب بجرأة، يحرف الحقائق، ويحاول طمس تضحية مسلم أنقذ يهودًا، فقط ليخدم روايته السياسية الضيقة وهذا الفعل المدان يصدر من قبل ما يعتبر نفسه قائدا وهو ليس بقائدًا ، بل مجرد سياسي يتاجر بالبطولات ويسرق شجاعة الآخرين دون أي خجل وحياء ” ! ونظرا للحرج الذي أصيبوا به من انقاذ مسلم وليس يهودي فقد كتبوا عبارة تشكيك أخرى لا تقل غباءا وهذه الجملة ننقلها نصآ “من المرجح أن أفعاله أنقذت أرواحاً عديدة” هذه جملة تشكيك واضحة بعمل بطولي قام به “الأحمد” وبدلا من أن تكون جملة واضحة وصريحة تعكس معها روح التضحية والفداء لإنقاذ الأبرياء ولغاية هذه اللحظة ما يزال الإعلام الإسرائيلي والحكومي الرسمي الموجه وعلى منصات التواصل الاجتماعي يركز بصورة مباشرة وشاملة على ما حدث صباح هذا اليوم الأحد من دون أن يشيد وان يحاول أن يركز كذلك على ما قام به المسلم الأسترالي والأب لولدين، وصاحب متجر فواكه – هو مثال حي على الشجاعة والإنسانية النقية التي يتصف بها جميع المسلمين ــ إلا بعض المتطرفين منهم ــ والتي عشاها شخصيا وشارك فيها ومضحيا بحياته وأسرته ومن معه وفي لحظات الرعب على شاطئ بوندي يوم الأحد 14 ك1 2025، وانقض بدون سلاح وبديه العاريتين على أحد المهاجمين، وانتزع بندقيته، وأصيب برصاصتين، مما أنقذ أرواحًا كثيرة من يهود أبرياء كانوا يحتفلون بعيد الحانوكا ولولا شجاعته لكان عدد الضحايا اكبر وإعداد الجرحى والمصابين اكثر مما نتصوره وهذا الفعل لم يكن مدفوعًا بديانة أو سياسة، بل بإنسانية مشتركة تجمعها روح الأخوة والتسامح والمحبة لأنه : ” رأى بشرًا في خطر، وخاطر بحياته وأسرته لإنقاذهم ” ولذا على كل إعلامي وصحفي ووسيلة إخبارية ، ومن أي ديانة أو خلفية، أن يبرز هذه القصة بقوة، لأنها تعتبر في نفس الوقت كسلاح فعال ومؤثر وقوي ضد الإسلاموفوبيا ولتثبت أن المسلم العادي يرفض العنف ويحمي الآخرين، مهما كانت ديانتهم. وهي رد حاسم كذلك على معاداة السامية لتظهر أن الكراهية لا تمثل الإسلام، وأن التضامن الإنساني أقوى من أي متطرف يحاول تأجيج الفتنة بين الديانات السماوية الثلاث وحتى الوضعية منها والدنيوية. ولتبقى كحاجز أمام المتطرفين من كل الجانبين والذين يستغلون المآسي لنشر سمومهم ، سواء بتعميم الكراهية على المسلمين أو اليهود. اليوم كافة وسائل الإعلام مسؤولية بصفة أخلاقية ومهنية عن تضخيم مثل هذه القصص البطولية الإيجابية ، وليس التركيز فقط على الدمار والخراب . هذا العمل البطولي يجب أن تكون فروسيتها عالميًا وأن تكون عنوانًا رئيسيًا في كل مكان ، لتذكر العالم أن الخير موجود، والإنسانية تتغلب على الكراهية. لان السلام يبدأ بأفعال مثل فعله، ويجب أن يُبرز بقوة أمام كل خطاب الكراهية، والتفرقة، أو العنصرية، بغض النظر عن ديانته وكمثال حي على أن الشجاعة والتضامن الإنساني أقوى من أي سموم متطرفة، ويستحق أن يكون رمزًا عالميًا للخير الذي يتجاوز الحدود الدينية أو العرقية ولأنه بفعل , لم ينظر إلى الضحايا كـ”يهود” أو “آخرين”، بل كبشر أبرياء، وإخوة مجتمعين و متحابين في الوطن الأسترالي والإنسانية المشتركة. فعله يجسد أفضل ما في البشرية من صفات التضحية والفداء بالنفس والعائلة، ويذكرنا بأن الغالبية الساحقة من الناس – مسلمين، يهودًا، مسيحيين، أو غيرهم – ترفض الكراهية وتختار التضامن والشجاعة . ولان الكراهية تولد الكراهية . ومع كل هذا يجب ان يعلم الجميع بان انتقاد سياسات أي حكومة – سواء إسرائيلية أو غيرها – مشروع وحق ديمقراطي اصيل لا غبار او شائبة عليه ، ولكن تحول هذا الانتقاد إلى تعميم على شعب بأكمله أو ديانة يفتح الباب للإرهاب . اليهود في أستراليا أو أي مكان آخر ليسوا مسؤولين عن أفعال حكومة إسرائيل بل إن الكثير منهم متضامنين مع أطفال فلسطين وما يحدث في قطاع غزة ، وكما بدورهم من أن المسلمين ليسوا مسؤولين عن أعمال متطرفين باسمهم . لان الخلط بين السياسة والكراهية “العرقية/الدينية” هو السم الذي يسمم المجتمعات … وفي الختام لا يسعنا إلا أن نكرر بأن هذه المأساة تذكير قاسٍ بأن العنف ضد الأبرياء – في غزة، إسرائيل، سيدني، أو نيوزيلندا – لا يؤدي إلا إلى المزيد من الألم والمأساة . ولكن قصص مثل بطولة وشجاعة ” الأحمد ” تعطينا أملًا في أن الإنسانية والمحبة بين الشعوب . المجتمع الدولي مدعو لإدانة كل أشكال الإرهاب والكراهية ، وتعزيز الحوار والعدالة. السلام يبدأ برفض العنف من كل الجهات ، والتمييز بين الظلم السياسي والكراهية الإنسانية .
إن الحكومة الأسترالية مطالَبة بألّا تكتفي بتعابير الشكر والعرفان، بل أن تبادر بشكل عاجل إلى تكريم الشخصية المسلمة أحمد الأحمد بمنحه جائزة دولة أو وسام الشجاعة، وذلك في احتفال رسمي وعلني تشارك فيه عوائل الضحايا والناجون الذين أسهم هذا العمل البطولي في إنقاذهم. ولان مثل هذا التكريم لا يمثل اعترافًا فرديًا بالشجاعة فحسب، بل يشكّل رسالة إنسانية سامية تعكس قيم العدالة والتعايش والتضامن الإنساني التي يفترض أن تتبناها الدولة الأسترالية أمام مجتمعها وأمام العالم. وفي السياق ذاته، فإن على الحكومة الإسرائيلية أن تمتلك الشجاعة الأخلاقية والأدبية للإقدام على خطوة مماثلة، عبر تكريم هذه الشخصية المسلمة تقديرًا لموقفها الإنساني النبيل، سواء بشكل مباشر أو من خلال توجيه سفارتها في سيدني للقيام بهذا التكريم، وبمشاركة فاعلة من قبل الجاليات العربية. ويُعدّ هذا الإجراء، في حدّه الأدنى، موقفًا أخلاقيًا مطلوبًا من حكومة نتنياهو، لا سيما وأن هذا الفعل البطولي قد أسهم في تفكيك خطاب الكراهية وإسكات أصوات المتطرفين العنصرين من بعض وزراء الحكومة الإسرائيلية ، وأثبت أن القيم الإنسانية المشتركة أقوى من كل محاولات التحريض والانقسام ونشر الكراهية بين المجتمعات .