جديد

معادلة الحصار بالحصار… هل تخسر السعودية أهم أوراقها في حرب اليمن؟ أحلام الصوفي على مدى أكثر من اثني عشر عامًا، اعتقدت السعودية أن الحصار سيبقى السلاح الأكثر تأثيرًا في معركتها مع اليمن، وأن الزمن كفيل بإضعاف خصمها وإجباره على القبول بالوقائع التي فُرضت عليه. غير أن مسار الحرب سار في اتجاه مغاير، إذ تحوّل الحصار، وفق رؤية القوات المسلحة اليمنية كما ورد في بيانها الأخير، من أداة للضغط إلى دافع لتطوير القدرات العسكرية وإعادة تشكيل معادلات الردع. فالبيان لا يكتفي بالإعلان عن موقف عسكري، بل يعكس تصورًا استراتيجيًا يعتبر أن مرحلة الدفاع عن آثار الحصار قد انتهت، وأن المرحلة المقبلة تقوم على مبدأ تحميل الطرف الذي يفرض الحصار جزءًا من كلفته. وهي رسالة تعني، من وجهة نظر مُصدري البيان، أن الأمن الاقتصادي لم يعد منفصلًا عن الأمن العسكري، وأن استمرار الإجراءات المفروضة على اليمن قد يقابله تصعيد يمس المصالح المرتبطة بها. إن أخطر ما يلفت الانتباه في هذا التحول هو انتقال المواجهة من حدود البر إلى فضاءات الاقتصاد والتجارة والملاحة البحرية. فالمملكة العربية السعودية تمتلك أحد أهم الشرايين النفطية والتجارية في المنطقة، وأي اضطراب واسع في حركة الموانئ أو خطوط النقل البحري قد يمتد أثره إلى أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد، وهو ما يجعل أي تصعيد محتمل قضية إقليمية تتجاوز حدود النزاع اليمني. ولم يعد السؤال المطروح اليوم: هل يستطيع اليمن الصمود؟ فهذا السؤال أجابت عنه سنوات الحرب الطويلة. بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى أي مدى تستطيع السعودية الاستمرار في إدارة حرب تتزايد كلفتها العسكرية والاقتصادية والسياسية، بينما تتغير أدوات المواجهة وتتسع ساحاتها؟ وخلال سنوات الحرب، أفرزت المواجهة واقعًا مختلفًا عما كان قائمًا في بدايتها. فوفق الرواية التي تتبناها صنعاء، لم يؤدِ الحصار إلى إضعاف القدرات العسكرية، بل دفع إلى الاستثمار في تطوير الصناعات العسكرية المحلية، وتعزيز منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة والدفاعات الجوية والقدرات البحرية. وأصبحت هذه القدرات، بحسب هذا التصور، عنصرًا رئيسيًا في إعادة صياغة ميزان الردع، بعد أن كانت الكفة تميل بصورة شبه كاملة لصالح التفوق الجوي السعودي في السنوات الأولى للحرب. وفي المقابل، فإن أي انتقال للمواجهة إلى استهداف المصالح الاقتصادية أو البنى الحيوية يضع السعودية أمام تحديات متزايدة. فإلى جانب الكلفة العسكرية المباشرة، تبرز تحديات حماية المنشآت النفطية، وتأمين الموانئ وخطوط الملاحة، وطمأنة المستثمرين، والحفاظ على استقرار البيئة الاقتصادية التي تُعد ركيزة أساسية للمشروعات التنموية الكبرى. كما أن استمرار حالة الاستنزاف يفرض أعباء مالية وأمنية متراكمة، ويجعل تكلفة إدارة الصراع أعلى بكثير من كلفة احتوائه عبر حلول سياسية. لقد أظهرت سنوات الصراع أن الحروب الحديثة لا تُحسم بالتفوق العسكري وحده، بل بقدرة كل طرف على الصمود واستنزاف خصمه وإجباره على إعادة حساباته. ومن هذا المنطلق، يقدم البيان اليمني نفسه بوصفه إعلانًا عن مرحلة جديدة تسعى إلى نقل جزء من أعباء الحرب إلى الطرف الآخر، في محاولة لفرض توازن ردع جديد. وفي الوقت ذاته، فإن أي توسع في دائرة المواجهة يحمل مخاطر كبيرة على المنطقة بأسرها. فالبحر الأحمر والخليج العربي يمثلان ممرين حيويين للتجارة الدولية، وأي اضطراب طويل الأمد فيهما ستكون له انعكاسات تتجاوز أطراف الصراع المباشرين، لتطال الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحركة الملاحة الدولية. كما أن تنامي القدرات اليمنية، إذا استمر بالوتيرة التي تعكسها البيانات العسكرية الصادرة عن صنعاء، قد يفرض واقعًا أمنيًا جديدًا في شبه الجزيرة العربية، تتراجع فيه فاعلية أدوات الضغط التقليدية، وتصبح معادلات الردع أكثر تعقيدًا وتشابكًا. وهذا يعني أن أي حسابات عسكرية أو سياسية لم تعد قادرة على تجاهل التحولات التي شهدتها بنية القوة اليمنية خلال سنوات الحرب. ورغم أن التطورات الميدانية وحدها هي التي ستحدد مدى تحقق هذه المعادلات على أرض الواقع، فإن البيان يعكس بوضوح قناعة لدى مُصدريه بأن قواعد الاشتباك التي حكمت السنوات الماضية لم تعد كافية، وأن مرحلة جديدة بدأت عنوانها أن الحصار لم يعد خيارًا بلا كلفة. وبين استمرار التصعيد والعودة إلى المسار السياسي، تبدو المنطقة أمام لحظة مفصلية. فكل يوم يمر دون معالجة جذور الأزمة يرفع احتمالات اتساع رقعة المواجهة، ويزيد من كلفة الحرب على الجميع. أما الرسالة الأبرز التي حملها البيان، فهي أن الصراع لم يعد يدور حول من يملك القدرة على فرض الحصار، بل حول من يستطيع تحمل نتائجه عندما يتحول إلى معادلة متبادلة. لقد أعادت السنوات الماضية رسم ملامح هذا الصراع، لكن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر حساسية؛ إذ لم تعد المواجهة محصورة في ساحات القتال التقليدية، بل امتدت إلى معادلات الردع والاقتصاد وأمن الطاقة والملاحة. وفي ظل هذا الواقع، تبدو السعودية أمام تحديات استراتيجية متزايدة، بينما يرى الجانب اليمني أن تراكم قدراته العسكرية يمنحه هامشًا أوسع لفرض معادلات جديدة، بما يجعل استمرار الحرب خيارًا أكثر كلفة من أي وقت مضى.

الطفولة العراقية بين قسوة التاريخ و ميراث العنف وبنية الاستغلال و تشوه الوعي : قراءة تاريخية– أنثروبولوجية – سوسيولوجية – نفسية

رياض سعد

لم تكن الطفولة في العراق، منذ فجر الحضارات الأولى في بلاد الرافدين، حالة بريئة محصّنة بالرحمة والرعاية كما يُفترض بها أن تكون، بل كانت في كثير من مراحلها نتاجًا مباشرًا لمنظومات فكرية واجتماعية واقتصادية قاسية، تشكّل وعيها الجمعي تحت ضغط الجهل والخوف والعنف والسلطة الأبوية الصارمة… ؛  فالطفل لم يُنظر إليه بوصفه كائنًا مستقلًا له احتياجات نفسية وعاطفية وحقوق إنسانية، بل عُدّ مشروعًا غير مكتمل، أو مادة خام يجب “تقويمها” بالقوة، ولو على حساب كرامتها وجسدها وروحها.

نعم , الطفولة في العراق، عبر امتدادها التاريخي الطويل، لم تكن مرحلة محمية بالوعي والرحمة كما يفترض المنطق الإنساني، بل كانت في كثير من أطوارها مرآة صافية لاضطراب المجتمع نفسه، وعنفه الكامن، واختلال منظومته القيمية… ؛  فالطفل الرافديني العراقي لم يُعامَل بوصفه ذاتًا إنسانية في طور التكوّن، بل بوصفه كائنًا ناقصًا، يجب إخضاعه مبكرًا، وكسر إرادته، وتطويعه بالعقاب الجسدي والنفسي، حتى يستقيم على ما يُراد له لا على ما يحتاجه...!!

* أولًا: الجذور التاريخية للعنف التربوي / القراءة التاريخية

تُظهر النصوص المسمارية، والوصايا الأخلاقية القديمة، أن مفهوم التربية في العراق القديم كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالضبط والسيطرة والطاعة… ؛  فالأسرة، بوصفها نواة المجتمع، أعادت إنتاج القيم السائدة نفسها، حيث كانت السلطة للأب، والعقاب وسيلة أساسية للحفاظ على النظام… ؛  وفي هذا السياق، تأتي وصايا الحكيم الآشوري أحيقار، الذي عاش في القرن السابع قبل الميلاد، لتكون وثيقةً نفسيةً واجتماعيةً بالغة الدلالة… ؛ فهي لا تعكس فقط فلسفةً تربويةً فردية، بل تكشف عن عقلية جمعية رسّخت ثنائية العقاب والطاعة… ؛ اذ يقول أحيقار في إحدى وصاياه لابن أخيه نادان:

“يَا ابْنِي، لَا تُبَخِّلْ عَلَى ابْنِكَ بِتَأْدِيبِ الْعَصَا، فَضَرْبُ الْوَلَدِ لِلْجَسَدِ كَسَمَادِ الزِّبْلِ لِلْحَدِيقَةِ، وَكَاللِّجَامِ لِلْحِمَارِ، وَكَالقَيْدِ فِي رِجْلِ الْجَمَلِ. يَا ابْنِي، أَخْضِعِ ابْنَكَ وَهُوَ غُلاَمٌ صَغِيرٌ، قَبْلَ أَنْ يَتَمَرَّدَ عَلَيْكَ فَيُخْجِلَكَ بِسُوءِ أَفْعَالِهِ.”

هذه الوصية، بصورها المجازية القاسية، تختزل رؤيةً ترى في الطفل كائناً جامحاً قريباً من عالم الحيوان، يحتاج إلى أدوات الترويض المادي (العصا، اللجام، القيد) كي يُنتج فضيلةً أو يُثمر معرفة… ؛  لقد آمن الأسلاف، استناداً إلى مثل هذه الرؤى، بأنَّ الضرب، والمبرح منه خاصةً، هو المحرّك الرئيس لتربية الطفل على الفضيلة، وأنَّ مجانبة الرذيلة لا تكون إلا عبر العنف والقسر… ؛ وهي رؤية لم تكن استثناءً في زمانها، بل تعبيرًا عن نسق ثقافي كامل يرى في العصا أداة تهذيب، وفي الألم وسيلة لبناء الفضيلة , وفي القهر والضرب والعقوبة رحمة …!!

 وهذا الاعتقاد لم ينشأ من فراغ، بل كان انعكاساً لمجتمع تعاقبت عليه الحروب والغزوات وقسوة الطبيعة، فبات يرى في القسوة ضرورةً للبقاء، وفي الطاعة العمياء قيمةً عليا… ؛ نعم , تكشف هذه الوصية  بوضوح عن عقل تربوي يرى في الضرب وسيلة ضرورية لصناعة “الإنسان الصالح”… ؛  إذ شبّه أحيقار ضرب الطفل بالسماد للحديقة، وباللجام للحيوان، في إسقاطٍ رمزي خطير يساوي بين الطفل والكائن الذي لا يُضبط إلا بالقيد… ؛  هذا التشبيه لم يكن مجرّد بلاغة، بل تعبيرًا عن وعي جمعي يرى الطاعة غاية التربية، لا تنمية العقل أو الوجدان... ؛ كما اسلفنا .

فمنذ فجر الحضارة في بلاد الرافدين، وحتى العصور الحديثة المتأخرة، ظلّ عالم الطفولة يرزح تحت ثقل مُركَّب من الموروثات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، التي شكَّلت علاقةً ملتبسةً بين المجتمع والطفل… ؛ و لم تكن المعاناة حِكرًا على هذه الأرض؛ فشعوبٌ عديدةٌ عانت من تداعيات الجهل وأساليب التربية البدائية… ؛  غير أنَّ السياق العراقي يتميّز بطبقاتٍ متراكمةٍ من الممارسات التي اختلط فيها الفهم الضيّق للتربية باستخدام العنف المنهجي، ممّا حوّل مرحلة الطفولة في أحيان كثيرة إلى رحلة عبر حقول من الألم الجسدي والنفسي.

لقد أساء الرجال والنساء، على حدٍّ سواء، في كثير من الأحيان، إلى عملية التربية، فاتّبعوا أساليب عشوائيةً ظالمةً، تُجاوِز حدَّ التقصير لتَقترب، في بعض تمظهراتها، من العبث والإجرام… ؛  ولا ينفي ذلك وجود ومضات حنان وفطرة سليمة، لكنّ النبرة الغالبة في الخطاب التربوي التاريخي، كما دوّنته النصوص والوصايا والفلكور الشعبي ، كانت نبرةً قائمةً على الخوف والتّرويض وعدم احترام خصوصيات الطفولة .

نعم , استمر هذا النهج، بمستويات متفاوتة، قروناً طويلة، ليرسخ واقعاً مُزرياً للطفولة العراقية… ؛  ففي البيت، كان العنف الأسري هو اللغة الأولى للتأديب… ؛  وفي الكتاتيب (الملا) أو الحلقات الدينية، تحوّل التعليم إلى ميدانٍ للتعذيب، حيث كانت الفَلَقَة الخيزران أداتيِ التلقين الرئيسيتين، تضربان على الأقدام والأيادي حتى تورما، وغالباً ما كان الآباء يوصون الملالي بضرورة الشدة، فكأنّ الطفل قد أرسل إلى ساحة حرب لا إلى بيتٍ للعلم وتعلم القراءة والكتابة … ؛ ولم يكن الشارع أو السوق ملاذاً آمناً، فكثيراً ما تعرّض الأطفال للضرب من المارة أو الباعة بحجة الإزعاج أو قلة الأدب، بل وحتى في ساحات اللعب كانت العُنفوانية الطفولية تُحلّ باللكم والصراع والركلات ... ؛ وقد استمرت هذه الرؤية، مع اختلاف الأزمنة، في الثقافة الشعبية، حيث بقي الموروث التربوي أكثر رسوخًا من أي تحديث قانوني أو معرفي. فالعنف لم يُنظر إليه كجريمة، بل كـ«حق أبوي» و«واجب أخلاقي»، ما منح القسوة شرعية اجتماعية طويلة الأمد.

وحين كان يُرسل الأطفالُ إلى سوق العمل لتعلم المهن، تحت وطأة الفقر، كان العنف ينتقل معهم… ؛  ففي ورش الحدادة والميكانيك، كان الصبيان يتعرضون للضرب بأدوات العمل نفسها (المفاتيح، الأنابيب , أدوات العمل ) تحت ذريعة تعليم أصول الصنعة … ؛  ما أدى في حالات عديدة إلى إصابات بالغة وعاهات مستديمة… ؛  وقصص المعاناة تلك ليست من نسج الخيال؛ ففي تسعينيات القرن الماضي، في إحدى محافظات العراق ، ربط أبٌ ابنه بحبلٍ خشنٍ من قدميه إلى نافذة حديدية تحت شمس تموز الحارقة، لتأديبه على هفوة، مما تسبّب في إغماء الولد وإصابته بالغرغرينا، لتُبتر ساقه لاحقاً… ؛  وهذه الحالة، وإن كانت صادمة، فهي واحدة من آلاف الحوادث اليومية التي غابت عن الإعلام، وكانت نتاجاً طبيعياً لخلية عنفٍ متراكمة.

* ثانيًا: القراءة الأنثروبولوجية – العنف بوصفه ثقافة

إنَّ تحليل هذه الظاهرة من منظور أنثروبولوجي-اجتماعي يشير إلى أنها لم تكن مجرد “قَسْوَة” فردية، بل كانت جزءاً من بنية ثقافية أوسع تُقدّس السلطة الأبوية المُطلقة (الأب، المعلم، استاذ الصنعة , شيخ العشيرة … الخ )، وتُهمّش حقوق الكائن الضعيف… ؛ يمكن فهم هذه القسوة بوصفها نتاج بيئات عانت شح الموارد، والحروب، والكوارث، وعدم الاستقرار… ؛  ففي المجتمعات التي تُثقلها المخاوف الوجودية، يُعاد تشكيل التربية لتخدم البقاء لا الرفاه، والطاعة لا الإبداع… ؛ وهكذا جرى توريث أنماط العنف من جيل إلى جيل، حتى أصبحت جزءًا من “الطبيعي” و” المألوف”، لا تُسائل أخلاقيًا ولا تُفكك معرفيًا… .

ففي المجتمعات التي تُحاصرها القسوة، يُعاد إنتاج القسوة داخل الأسرة. وهكذا تحوّل الطفل إلى الحلقة الأضعف التي تُفرَّغ فيها توترات الكبار، وإخفاقاتهم، وإحباطاتهم الاقتصادية والاجتماعية… ؛ وقد أُلبست هذه القسوة لبوس الحكمة والخبرة، حتى باتت الأم – كما الأب – شريكًا في إعادة إنتاج العنف، لا عن شر متأصل، بل عن جهل مركّب، يجعل الضرب مرادفًا للتربية، والإذلال مرادفًا للتقويم.

وعلى الرغم من وجود تباينات إقليمية، فإن المقارنة مع مجتمعات مجاورة – كبلاد فارس مثلًا – تكشف فروقًا واضحة في النظرة إلى الطفل… ؛  فقد أظهرت بعض المصادر التاريخية أن التربية الفارسية القديمة كانت أكثر ميلًا إلى الصبر والتدرّج والاهتمام بالتنشئة الأخلاقية عبر القدوة، لا عبر العقاب الجسدي المفرط، وهو ما يسلّط الضوء على أثر الثقافة لا الجغرافيا وحدها في تشكيل مفهوم الطفولة.

والمأساة الأعمق أننا، ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين، وسط انفجار المعرفة والاتصال، ما زلنا نرى استمراراً لتلك الممارسات في أوساط غير قليلة، خاصة في البيئات الأكثر فقراً وجموداً فكرياً… ؛ ما زالت العصا تُعتبر ” طريقة تربوية “، وما زال العنف يُتبرَّر بـ “التأديب”… ؛  صحيح أنَّ الوعي قد ارتفع والقوانين وضعت، لكن جذور تلك العقلية الغائرة في التاريخ لم تقتلع بعد بالكامل.

* ثالثًا: البنية السوسيولوجية لدورة العنف

سوسيولوجيًا، عاش الطفل العراقي داخل دائرة مغلقة من الإيذاء المنظّم… ؛  ففي البيت يُضرب بحجة التربية، وغالبًا ما تتخذ الضربات شكلًا وحشيًا: أسلاك كهرباء، خراطيم ماء، عصيّ خشبية، أو الحبس في غرف مظلمة، وربط الأطراف، والحرمان من الطعام. وقد شهد المجتمع حالات متكررة لأطفال فارقوا الحياة أو أُصيبوا بعاهات دائمة بسبب “التأديب”.

وفي المؤسسات التعليمية التقليدية، كالكَتاتيب والحلقات الدينية، استُخدمت الفلقة وعصيّ الخيزران بوصفها أدوات تعليم، حتى تورّمت أقدام الأطفال، أو نزفت أجسادهم، بينما كان الآباء يوصون المعلّمين بمزيد من القسوة كما أسلفنا ، وكأن المدرسة امتداد لغرفة التعذيب المنزلية… ؛ بل حتى في المدارس الحكومية التي انبثقت مع تأسيس الحكومة العراقية المعاصرة ؛ اذ لم تفارق العصا يد المعلم قط .

أما في الفضاء العام، فلم يكن الطفل في مأمن… ؛ فالضرب في الأسواق، والتوبيخ العلني، والإهانة اللفظية، كانت تُمارَس عليه من الغرباء والجيران  باسم “قلة الأدب” أو “إزعاج الكبار” … ؛ نعم , لم يكن العنف ضد الطفل محصورًا داخل جدران البيت… ؛  فالطفل العراقي كان يدخل في دورة اجتماعية مغلقة من القهر ما عمّق شعوره بانعدام الأمان وانعدام القيمة… ؛ اذ كانت الفلقة، وعصا الخيزران، والشتيمة، والإذلال، كانت أدوات “مشروعة” في نظر المجتمع … ؛ ومن منظور سيكولوجي، خلقت هذه الممارسات حلقةً مفرغةً من العنف المُكتسب، حيث يتحول المعنَّف سابقاً إلى مُعنِّف لاحقاً، في عملية تكرار أبدي للألم... .

* رابعًا: الأثر النفسي العميق

أما نفسيًا، فإن هذه البيئة العنيفة خلّفت آثارًا عميقة في الشخصية العراقية… ؛  فالطفل الذي ينشأ على الخوف لا يتعلم الفضيلة، بل يتقن التمويه، ويكبت مشاعره، ويعيد إنتاج العنف حين تتاح له السلطة… ؛ وقد أثبتت الدراسات النفسية الحديثة أن الضرب لا يبني أخلاقًا، بل يزرع القلق، واضطرابات الشخصية، وانخفاض تقدير الذات، ويحوّل العنف إلى لغة تواصل طبيعية… .

وتكفي الإشارة إلى آلاف الحوادث المروعة التي وثّقها الواقع، كحالات التعذيب المنزلي التي تصل إلى حد العاهات المستديمة أو الموت، لتأكيد أن ما يُسمّى “تربية” كان – ولا يزال في بعض البيئات – شكلًا من أشكال الإيذاء المنهجي.

أنتج هذا الواقع  المأساوي أجيالًا مثقلة بالخوف، والعدوانية المكبوتة، واضطرابات القلق، والشعور بالدونية… ؛  فالطفل المعنَّف لا يتعلّم المعرفة والسلوك الراقي ، بل يتعلّم النجاة والخلاص … ؛  يكذب ليحمي نفسه، ويطيع خوفًا لا اقتناعًا، وحين يكبر، يعيد إنتاج العنف ذاته، لأنه لم يتعلّم لغة أخرى للتواصل… ؛ وقد أثبت علم النفس الحديث أن المجتمعات التي تُربّي أطفالها بالعصا، تحصد مستقبلًا هشًّا، مليئًا بالعنف والجريمة والانكسار الداخلي.

* خامسًا: جرائم العمل القسري واستغلال الطفولة

وتبلغ مأساة الطفولة ذروتها في سوق العمل… ؛  فالفقر، واليتم، والنزوح، دفعت آلاف  – بل مئات الالاف وطوال العقود المنصرمة –  الأطفال إلى الورش والمصانع والأسواق… ؛  وهناك تعرّضوا لأبشع أشكال الاستغلال: أطفال يعملون في ورش تصليح السيارات، يُضربون بأدوات حديدية، ويتعرّضون للحروق وبتر الأصابع اثناء العمل احيانا … ؛ وأطفال في معامل الطابوق، يعملون تحت الشمس اللاهبة، يحملون أثقالًا تفوق قدرتهم الجسدية… ؛ وأطفال يُستغلون في التسوّل المنظّم، تُدار حياتهم من قبل شبكات إجرامية أو عوائل منحلة ، تُجبرهم على العمل لساعات طويلة، وتقتطع عائداتهم بالقوة... ؛ وفتيات قاصرات يُزجّ بهن في أعمال الخدمة القسرية ,  او السمسرة الجنسية ، أو يُزوّجن مبكرًا تحت ضغط الحاجة الاقتصادية… .

* ختاماً، فإن قراءة تاريخ الطفولة في العراق ليست استعراضاً للمآسي فحسب، بل هي دعوة إلى تفكيك هذا الإرث الثقيل… ؛ إنها مطالبة بإعادة تأويل وصية أحيقار وغيره، ليس كدليل عمل، بل كنص تاريخي يُفهم في سياقه، ثم يُتجاوز نحو رؤية إنسانية تُفرِّق بين التأديب والتعذيب، وبين التربية والترويض، وتعيد للطفولة براءتها وحقها في النمو بعيداً عن رُعب العصا ووحشة القيد.

نعم , إن مأساة الطفولة في العراق ليست حادثة عابرة، بل بنية تاريخية وثقافية واجتماعية متراكمة… ؛  وما لم يُفكَّك هذا الميراث نقديًا، وتُجرَّد القسوة من شرعيتها الأخلاقية والدينية والاجتماعية، ستظل الطفولة العراقية وقودًا لدورات لا تنتهي من العنف... ؛ فالطفل ليس حيوانًا يُروَّض، ولا أداة إنتاج، ولا ملكية خاصة … .

الطفل هو مستقبل مجتمع بأكمله، ومجتمع يكسر طفولته، إنما يحكم على نفسه بالانكسار الدائم.

إن إنقاذ الطفولة ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا لبناء مجتمع سليم، لأن الطفل الذي يُربّى بالكرامة، هو وحده القادر على أن يصنع وطنًا بلا عصا.