منظمة عراقيون ضد الفساد
حين تُباع الشهادة الجامعية … وتُشترى بها منصب بالدولة
لم تكن الفضيحة التي تناقلتها وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية في الهند حدثًا عابرًا في سجل الجريمة المنظمة، بل صفعةً مدوية كشفت واحدة من أخطر شبكات تزوير الشهادات الجامعية في العالم، وأعادت فتح ملفٍ مسكوتٍ عنه طويلًا في العراق. ففي ولاية كيرالا، وتحديدًا في مدينة مالابورام، داهمت الشرطة الهندية مكتب توظيف بعد معلومات سرية، لتكتشف ما يشبه “مصنعًا أكاديميًا” متكاملًا لتزوير الشهادات الجامعية وبمختلف التخصصات العلمية والهندسية والطبية والإنسانية . أختام رسمية، أوراق جاهزة، كشوف درجات، شهادات حسن سيرة وسلوك، ورسائل توصية رسمية ولكنها مزورة ، كل ذلك مُعدّ بعناية فائقة ومدروسة لإنتاج أكثر من مئة ألف شهادة مزورة في اختصاصات حساسة كالهندسة، والتمريض، وإدارة الأعمال، والتقنية، تُباع بأسعار تتراوح بين 75 ألف و150 ألف روبية، وتُرسل إلى خارج الولاية – بل خارج الهند – عبر البريد، وكأنها بضاعة مشروعة.
غير أن الصدمة الحقيقية لم تكن في حجم التزوير وحده، بل في الوجهة. فبحسب ما سُرّب للنا من قبل احد السادة النواب الأفاضل في ” لجنة التعليم العالي والبحث العلمي النيابية ” بان هناك جهود محمومة تقوم بها وزارة التعليم وبشخص وزيرها المدعو (نعيم العبودي ) وهو بدوره حاصل على شهادة ماجستير ودكتورها مزورة !!؟ فقد تبين لنا بأن ، العشرات، بل المئات، من الطلاب العراقيين خلال العشرين سنة الماضية يُشتبه بحصولهم على شهادات جامعية مزورة من هذه الشبكات، تشمل البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وفي مختلف الاختصاصات. الأخطر من ذلك أن الحديث لا يدور عن أفراد عاديين فقط، بل عن مسؤولين حكوميين، وقيادات حزبية، وموظفين بدرجة مدير عام، وحتى بعض النواب. وهو ما يثير الريبة والشك من خلال قانون أسس تعادل الشهادات والذي يحتوي على العديد من السلبيات، وقد ألغت المحكمة الدستورية عدة فقرات منه مرغمة لان مصادقة الشهادات الجامعية المزورة أصبحت تجري بصورة رسمية
وهنا يتحول السؤال من “من زوّر الشهادة؟” إلى “كيف تُدار الدولة؟”.
إن ما يُتداول عن حالة التكتم داخل وزارة التعليم العالي ليس مجرد تفصيل إداري، بل مؤشر خطير على حجم الورطة. فحين تكون مئات الشهادات موضع شك، ويكون أصحابها في مواقع القرار، يصبح كشف الحقيقة تهديدًا مباشرًا لمنظومة كاملة بُنيت على الزيف. ولهذا، يبدو الصمت أسهل من المواجهة، والتجاهل أقل كلفة من المحاسبة. والمأساة لا تكمن فقط في أن بعض المسؤولين يُشتبه بأنهم لا يحملون علمًا حقيقيًا، بل في أن هؤلاء – إن صحّت التسريبات – يتحكمون اليوم بمصير التعليم، والإدارة، والاقتصاد، بل وحتى التشريع. فكيف يمكن لمن اشترى شهادته أن يحمي نزاهة مؤسسة؟ وكيف لمن هرب من قاعة الامتحان أن يقود إصلاحًا أو يبني دولة؟ وإن الشهادة المزورة ليست جريمة فردية، بل خيانة جماعية. خيانة للطالب المجتهد، وللأستاذ النزيه، وللجامعة، وللمجتمع بأسره. وهي السبب الخفي – وربما العلني – في تراجع النهضة العلمية، وضمور الفكر النقدي، وانحدار الخطاب الثقافي، وهيمنة الرداءة على مواقع التأثير.
الأخطر أن هذه الظاهرة، حين تُغطّى سياسيًا، تتحول من فساد إلى منهج حكم، ومن حالة شاذة إلى قاعدة. وحين يصبح المزور محميًا بحزبه، لا تعود الشهادة معيارًا، بل الولاء.
إن العراق اليوم لا يواجه أزمة تعليم فقط، بل أزمة صدق. ولن يكون هناك أي حديث جاد عن إصلاح أو نهضة، ما لم يُفتح هذا الملف بشجاعة، بعيدًا عن المحاصصة والخوف، ويُعاد الاعتبار للعلم بوصفه قيمة لا سلعة، وللشهادة بوصفها مسؤولية لا غنيمة. فالدول لا تنهار حين يكثر الجهل فقط، بل حين يُمنح الجهل شهادة رسمية… وختمًا… ومنصبًا حكوميآ في اختصاص مؤثر وحيوي ويمس امن وصحة ومستقبل المواطن ناهيك عن الدولة !
لم تعد فضيحة الشهادات الجامعية المزورة مجرد خبر عابر في صفحات الحوادث الدولية، بل تحولت إلى مرآة فاضحة تعكس حقيقة ما آل إليه الحكم في العراق. فالقضية التي كشفتها الشرطة الهندية في ولاية كيرالا، بعد مداهمة مكتب توظيف في مدينة مالابورام وضبط أختام رسمية وأوراق جاهزة لطباعة أكثر من مئة ألف شهادة مزورة، ليست شأنًا هنديًا داخليًا، بل خيطًا خطيرًا يقود مباشرة إلى قلب الدولة العراقية.
شهادات في الهندسة، والتمريض، وإدارة الأعمال، والتقنية، تُباع عبر البريد بأسعار محددة، مرفقة بكشوف درجات ورسائل توصية وشهادات حسن سيرة وسلوك، في عملية تزوير احترافية لا تهدف إلى خداع جامعة فقط، بل إلى اختراق دولٍ كاملة. والعراق، وفق ما تسرب خلال السنوات الماضية، كان أحد أبرز الزبائن.
المقلق – بل المرعب – أن الحديث لا يدور عن طلاب عاديين، بل عن مسؤولين حكوميين، وموظفين بدرجة مدير عام، وقيادات حزبية، وحتى بعض النواب، ممن يُشتبه بحصولهم على شهادات بكالوريوس وماجستير ودكتوراه مزورة خلال العشرين سنة الماضية. أي أننا أمام طبقة حاكمة محتملة، لم تصعد بالكفاءة ولا بالعلم، بل بالبريد السريع والأختام المزوّرة.
وحين تكتتم وزارة التعليم العالي، ولا تتحرك بجدية لفتح تحقيق شفاف، فإن الصمت هنا لا يُفسَّر إلا بوصفه شراكة غير معلنة في الجريمة. فكيف تُحاسب مؤسسة، إذا كان المتهمون يجلسون في أعلى هرمها أو يملكون نفوذًا سياسيًا يحميهم؟ وكيف يُفتح ملف، إذا كان فتحه كفيلًا بإسقاط مئات الأسماء المرتبطة بأحزاب نافذة في الإطار التنسيقي؟
هذه ليست أزمة شهادات، بل أزمة شرعية. فالدولة التي يُدار قرارها بعقول مزيفة، لا يمكن أن تنتج قانونًا عادلًا، ولا سياسة رشيدة، ولا تعليمًا محترمًا. وحين يصبح التزوير طريقًا إلى المنصب، يصبح الفشل سياسة عامة، والرداءة خيارًا رسميًا.
الخطورة القانونية في هذا الملف لا تقتصر على جريمة التزوير بحد ذاتها، بل تمتد إلى:
- انتحال الصفة العلمية وما يترتب عليه من بطلان التعيين والترقية.
- الإضرار بالمال العام نتيجة تقاضي رواتب ومخصصات على أساس مؤهلات غير صحيحة.
- الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليه دستوريًا.
- المسؤولية الجزائية المحتملة لمن سهل أو تستر أو امتنع عن الإبلاغ.
كما أن ما يُتداول عن حالة التكتم داخل وزارة التعليم العالي، في حال ثبت، يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام الوزارة بواجبها القانوني في التدقيق والتحقق، خاصة إذا كانت لديها مؤشرات أو معلومات أولية تستوجب الإحالة إلى القضاء أو هيئة النزاهة.
إن المعالجة القانونية السليمة لهذا الملف تتطلب:
- فتح تحقيق مستقل وشفاف.
- تدقيق جميع الشهادات الصادرة من جامعات أو مكاتب خارجية مشكوك بها.
- إعلان النتائج للرأي العام دون انتقائية.
- تطبيق مبدأ “من أين لك هذه الشهادة؟” كإجراء رقابي دائم.
فالقضية لم تعد تعليمية فقط، بل تمس سلامة الإدارة العامة، ومشروعية القرار الحكومي، وثقة المواطن بالمؤسسات. وأي تأخير أو تسويف في معالجتها قد يُعد تقصيرًا جسيمًا، وربما مشاركة غير مباشرة في إدامة الفساد.
إن أخطر ما في هذه الفضيحة ليس ما كُشف، بل ما يُراد له أن يبقى مخفيًا. لأن انكشاف الحقيقة يعني الاعتراف بأن جزءًا من النظام السياسي الحالي بُني على الكذب الأكاديمي، وأن النهضة العلمية والفكرية في العراق أُجهضت عمدًا، لا بسبب نقص الإمكانيات، بل بسبب هيمنة المزورين.
العراق اليوم لا يحتاج إلى لجان شكلية، بل إلى مواجهة مباشرة مع سؤال واحد:
من يحكم البلاد؟ أصحاب الشهادات… أم أصحاب الأختام؟
وفي بلدٍ كان يُعرف يومًا بأنه منارة للعلم والفكر والأدب، تحوّلت الشهادة الجامعية من رمزٍ للجد والاجتهاد إلى ورقةٍ مشكوكٍ في صدقها، تُشترى وتُعلّق على الجدران لتفتح أبواب المناصب، بينما تُغلق في الوقت ذاته أبواب النهضة الحقيقية. إن تفشي ظاهرة الشهادات الجامعية المزورة في العراق لم يعد مجرد خلل إداري أو فساد عابر، بل أصبح جريمةً منظمة بحق العقل العراقي ومستقبله.
لقد أُقصي العقل الكفوء لصالح عقلٍ مزيف، وتقدّم الجهل بثياب أكاديمية أنيقة ليتصدر المشهد في الجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وحتى مراكز القرار. فكيف لنهضة علمية أن تزدهر، وأساتذة الأمس الحقيقيون يُهمَّشون، بينما يتصدر المشهد من لم يقرأ كتابًا بعمق، ولم يكتب بحثًا بصدق، ولم يخضع يومًا لميزان النقد العلمي؟
إن أخطر ما في الشهادة المزورة ليس الورقة ذاتها، بل العقل الذي تحمله؛ عقلٌ عاجز عن الإبداع، خائف من النقد، معادٍ للمعرفة الحقيقية. وهكذا تتحول الجامعات إلى قاعات تلقين خاوية، والمراكز الثقافية إلى منصات مجاملة، والإعلام إلى أبواق تُلمّع الفراغ وتسوّق الرداءة بوصفها إنجازًا.
أما في الحقل الأدبي والفكري، فقد كانت النتيجة أكثر فداحة. تراجع الخطاب النقدي، وانحسر الجدل الفكري الرصين، وحلّ مكانه ضجيج لغوي فارغ، تملؤه مصطلحات مستوردة بلا فهم، وشهادات تُمنح لمن لا يمتلك أدوات التفكير ولا روح السؤال. وهكذا يُقتل الإبداع مرتين: مرة حين يُهمَّش المبدع الحقيقي، ومرة حين يُمنح المنبر لمن لا يستحقه.
إن المجتمع الذي يُكافئ التزوير لا يمكن أن ينتج علمًا، ولا أن يحمي ثقافة، ولا أن يبني دولة. فالتزوير لا يصنع معرفة، بل يصنع طبقةً انتهازية ترى في الشهادة وسيلة للسلطة لا مسؤولية للارتقاء. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الطبقة إلى عائق بنيوي أمام أي إصلاح، لأنها تخشى الحقيقة، وتخاف من المنافسة، وتعادي كل محاولة لإعادة الاعتبار للكفاءة.
إن معركة العراق اليوم ليست فقط مع الفقر أو الفساد المالي، بل مع فساد العقل وتزييف القيمة. ولن تبدأ النهضة العلمية والأدبية والفكرية إلا حين تُسحب الأقنعة الأكاديمية، ويُعاد الاعتبار للعلم بوصفه جهدًا وأمانة، لا سلعة في سوق التزوير. فالأوطان لا تُبنى بالأختام، بل بالعقول الصادقة، ولا تنهض بالشهادات المزوّرة، بل بالمعرفة الحقيقية والشجاعة في مواجهة الزيف.