بقلم: الأستاذ م.م. حسين شكران الأكوش العقيلي – كاتب ومؤلف
في لحظةٍ تتقاطع فيها الأزمات وتتشابك فيها المصالح، يظل السؤال الأهم: من يحاسب المسؤول حين يتجاوز حدود الأمانة؟ إن الوقوف أمامهم ليس فعلاً عابراً، بل هو موقفٌ يختزل معنى المواطنة الحقيقية، ويعيد الاعتبار لفكرة أن السلطة تكليف لا تشريف، وأن المسؤولية لا تُعفى مهما حاول أصحابها التملص من تبعاتها.
المسؤول حين يتولى منصبه، يضع نفسه في دائرة الضوء، حيث تتجه إليه أنظار الناس، وتُحمّل قراراته أوزاناً تتجاوز حدود الورق والملفات لتلامس حياة البشر اليومية. هنا يصبح الصمت عن الخطأ مشاركة فيه، ويغدو التغاضي عن التقصير باباً واسعاً للفوضى والفساد. فالمجتمع الذي ينهض هو ذاك الذي يجرؤ على الوقوف أمام المسؤولين، لا بدافع الخصومة، بل بدافع الحرص على الأمانة العامة التي أُنيطت بهم.
إن المسؤولية في جوهرها أمانة شرعية وقانونية، فهي في الشريعة مرتبطة بمبدأ التكليف الذي لا يقبل التهاون، وفي القانون مرتبطة بمبدأ المحاسبة الذي لا يعرف الاستثناء. وبين هذين البعدين، يتجلى المعنى الأعمق: أن المسؤول ليس فوق الناس، بل هو في خدمتهم، وأن كل قرار يتخذه يظل خاضعاً لميزان العدالة والضمير.
ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات هو حين يتحول المنصب إلى امتياز شخصي، وتُختزل المسؤولية في تغيب الرقابة والمساءلة. عندها يصبح الوقوف أمام المسؤولين واجباً وطنياً، لأن التاريخ لا يرحم، ولأن الشعوب لا تنسى من أهملها أو استغل ثقتها. إن الوقوف هنا ليس مجرد احتجاج، بل هو فعل إصلاحي يعيد التوازن بين السلطة والناس، ويؤكد أن الشرعية لا تُستمد إلا من خدمة المجتمع بصدق وإخلاص.
إن عبارة (قفوا أمامهم… فالمسؤولية لا تُعفى)ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي دعوة إلى وعي جماعي يرفض الاستسلام للواقع، ويطالب بالعدل والشفافية. هي صرخة في وجه التهاون، وتذكير بأن المسؤولية عبء ثقيل لا يمكن التنصل منه، وأن من يقبل بها عليه أن يكون مستعداً للوقوف أمام الناس والتاريخ، بلا أعذار ولا مبررات.
فالمسؤولية ليست لقباً يُمنح، بل امتحانٌ يومي أمام الضمير والناس، ومن ينجح فيه يخلّد اسمه في ذاكرة الأمة، ومن يفشل فيه يترك وراءه فراغاً لا يملؤه سوى الألم والخذلان.