رياض سعد
إن فهم الدولة العراقية الحديثة لا يكتمل عبر دراسة مؤسساتها الرسمية أو أنظمتها القانونية فحسب، بل يتطلب قراءة تاريخ علاقتها بالمجتمع الذي نشأت فيه، وكيف أعادت تلك الدولة تشكيله سياسياً واجتماعياً… ؛ فالعلاقة بين الدولة والمجتمع في العراق لم تكن علاقة تفاعلية عضوية كما حدث في كثير من التجارب الأوروبية، بل تشكلت في سياق تاريخي مختلف جعل الدولة تبدو في كثير من المراحل ككيان قائم فوق المجتمع أكثر من كونها تعبيراً عنه .
نعم , لا يمكن فهم طبيعة الدولة العراقية، وأسباب الأزمة المزمنة التي تعصف بها، عبر الاكتفاء بدراسة مؤسساتها الرسمية أو نصوصها الدستورية فحسب… ؛ بل يكمن جوهر الإشكال في قراءة العلاقة الجدلية والمعقدة مع المجتمع الذي يفترض أنها تعبر عنه وتنظم شؤونه.
في الحالة العراقية، تظهر هذه العلاقة مشوهة منذ اللحظة الأولى للتأسيس، حيث نشأت الدولة قبل اكتمال نضج المجتمع السياسي، لتتحول إلى أداة بيد النخب الهجينة والغريبة والعميلة بدلاً من أن تكون تعبيراً عن إرادة الشعب… ؛ هذا التشوه التكويني هو المفتاح لفهم ظاهرة التقاطع المستمر بين الحكومات والساسة من جهة، والمجتمع والمواطن من جهة أخرى .
أولاً: نشأة الدولة الحديثة وبداية الاختلال البنيوي
تأسست الدولة العراقية الحديثة بعد تأسيس المملكة العراقية عام 1921 في سياق سياسي دولي مرتبط بمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية… ؛ و جاءت الدولة نتيجة تسوية سياسية دولية استعمارية خارجية – نخبوية هجينة غريبة أكثر من كونها نتاج تطور اجتماعي داخلي طويل… ؛ حيث فرضت مؤسساتها على مجتمع تقليدي متعدد المكونات، كان لا يزال يعيش وفق تنظیماته العشائرية والدينية… ؛ و بعبارة أخرى، لم تنبثق الدولة من رحم صراعات اجتماعية أو طبقية كما حدث في النموذج الأوروبي الكلاسيكي (من تحت إلى فوق)، بل تم بناؤها بقرار خارجي ودعم من نخب هجينة وغريبة ولا تمت باية صلة للهوية الوطنية والمجتمع المحلي الحقيقي ، لتصبح “دولة فوق المجتمع” لا “دولة المجتمع . “
بينما في التجربة الأوروبية، تشكلت الدولة تدريجياً من خلال صراع الطبقات الاجتماعية، ونشوء البرجوازية، وتبلور المجتمع المدني، وهو ما أنتج علاقة تعاقدية بين الدولة والمجتمع… ؛ أما في العراق، فقد نشأت الدولة قبل اكتمال تشكل المجتمع السياسي… .
كانت هناك مجتمعات محلية تقليدية—عشائرية، دينية، ومدينية—لكن لم يكن هناك مجتمع سياسي حديث قادر على إنتاج دولة تمثله أو يراقبها .
هذا الترتيب المقلوب جعل الدولة تظهر منذ البداية بوصفها “دولة فوق المجتمع” لا “دولة المجتمع” كما اسلفنا ؛ أي جهازاً سياسياً وإدارياً يفرض مؤسساته من الأعلى بدلاً من أن ينبثق من ديناميات المجتمع نفسه .
هذه البداية المقلوبة أنتجت قطيعة مبكرة… ؛ فالدولة لم تكن نتاجاً لإرادة شعبية أو عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكومين، بل أداة للهيمنة والسيطرة، وإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية النخب الحاكمة.
وفي ظل غياب البنى المدنية المستقلة، بقيت القوى الاجتماعية الفاعلة (كالعشائر والجماعات الدينية) خارجة عن مشروع الدولة أو في صراع معها، بينما فشلت الوسائط التمثيلية الحديثة في الظهور.
و الأحزاب السياسية، حيثما وجدت، بقيت ضعيفة ومرتبطة بشخصيات سلطوية او بقوى خارجية أو زبائنية، والنقابات المهنية تم إخضاعها لسلطة الدولة أو تحييدها، والجمعيات المدنية تأرجحت بين القمع والاحتواء… ؛ كل ذلك جعل من المجتمع المدني تابعاً أو هامشياً، بدلاً من أن يكون شريكاً فاعلاً يراقب السلطة ويضبط أداءها.
ثانياً: الدولة بوصفها أداة هيمنة لا مجال تمثيل
نتيجة لهذه النشأة، لم تصبح الدولة ساحة تتصارع فيها القوى الاجتماعية المختلفة كما في النماذج الديمقراطية، بل تحولت إلى أداة مركزية للهيمنة وإعادة تشكيل المجتمع… ؛ فقد حاولت الدولة، منذ العهد الملكي مروراً بالجمهوريات المتعاقبة، إدخال المجتمع في مشروعها التحديثي الهجين عبر التعليم والجيش والإدارة البيروقراطية البائسة .
لكن هذه العملية بقيت أحادية الاتجاه؛ فالدولة حاولت تحديث المجتمع على اسس عرجاء ، بينما بقي المجتمع يحتفظ ببناه التقليدية… ؛ وبدلاً من أن تنشأ وسائط تمثيلية مستقلة—أحزاب قوية، نقابات حقيقية، جمعيات مدنية فاعلة—غالباً ما جرى إخضاع هذه الوسائط لسلطة الدولة أو احتواؤها .
فعلى سبيل المثال :
النقابات المهنية والعمالية غالباً ما وُضعت تحت إشراف الدولة.-
-الأحزاب السياسية تعرضت إما للقمع أو الاحتواء أو انها اصلا احزاب تمثل السلطة لا غير .
الجمعيات المدنية بقيت محدودة التأثير أو مرتبطة بالسلطة .-
وبذلك لم يتطور مجتمع مدني مستقل قادر على مراقبة السلطة أو موازنتها…
ثالثاً: الدولة الريعية وتفكك العقد الاجتماعي
العامل الحاسم الآخر في تشويه هذه العلاقة هو اعتماد الدولة بشكل شبه كلي على الريع النفطي كمصدر رئيسي لتمويلها، وهو ما جعلها في غنى عن فرض الضرائب على المواطنين… ؛ و في النموذج الضريبي الكلاسيكي، تنشأ علاقة تبادلية: المواطن يدفع الضريبة، والدولة تقدم الخدمات وتخضع للمحاسبة والمشاركة… ؛ أما في الدولة الريعية، فتنقلب المعادلة… ؛ اذ تتحول الدولة إلى “موزع ريع” كبير، تمتلك الموارد وتوزعها بشكل انتقائي (وظائف، منح، خدمات) بهدف شراء الولاءات وتأمين السكوت السياسي، بدلاً من أن تكون “مندوبة عن المجتمع” وخاضعة لمساءلته .
هذه البنية تنتج وعياً مشوهاً لمفهوم المواطنة… ؛ فالعراقيون، نتيجة لهذه الآلية، لا يتعاملون مع الدولة كـ”ملك مشترك” أو كيان وطني ينبغي الحفاظ عليه وتطويره، بل كمصدر للمنافع والامتيازات… ؛ و هذا المنطق يكرّس علاقات ولاء عمودية (للعشيرة، أو الطائفة، أو الحزب الذي يستطيع توفير هذه المنافع) على حساب العلاقات الأفقية القائمة على المواطنة المتساوية والحقوق والواجبات المشتركة… ؛ إنها حلقة مفرغة: الدولة الريعية تضعف المجتمع المدني، وضعف المجتمع المدني يعمق هيمنة الدولة الريعية .
ويُعد النفط عاملاً حاسماً في فهم طبيعة الدولة العراقية الحديثة… ؛ فمع تطور الاقتصاد النفطي منذ منتصف القرن العشرين، وخاصة بعد تأميم النفط العراقي 1972، أصبحت الدولة تعتمد بشكل أساسي على العوائد النفطية بدلاً من الضرائب .
في الدول التي تعتمد على الضرائب، تنشأ علاقة تفاوضية بين الدولة والمجتمع :
المواطن يدفع الضرائب ويطالب بالمحاسبة والتمثيل السياسي .-
أما في الدولة الريعية، فالمعادلة تختلف؛ إذ تتحول الدولة إلى موزع للثروة الريعية، وتصبح السياسة عملية توزيع للموارد والامتيازات .
في مثل هذا السياق :
تصبح الوظيفة الحكومية أحد أهم أشكال توزيع الريع .-
تتحول الدولة إلى مصدر للمنح والفرص.-
تتراجع فكرة الدولة باعتبارها ملكاً عاماً للمواطنين .-
وبالتالي، تتآكل فكرة المواطنة لصالح أنماط الولاء الأولية مثل :
الولاء العشائري-
-الولاء الطائفي
-الولاء الحزبي
-الولاء المناطقي
الولاء القومي والعرقي –
هذه الولاءات العمودية تحل محل العلاقات الأفقية التي يفترض أن يقوم عليها المجتمع المدني الحديث .
طالما بقيت الدولة مجرد جهاز فوقي يوزع الريع ويعتمد على شبكات الولاءات الأولية (الطائفية والعشائرية والحزبية)، وطالما بقي المجتمع السياسي والمدني أسيراً للانقسامات والهشاشة، فإن السياسة في العراق ستظل حكراً على المحاصصة، والمواطن سيبقى في موقعه كطرف متفرج أو ضحية، لا كشريك فاعل في بناء كيان وطني جامع… ؛ فالتغيير إذاً يبدأ من إعادة بناء الثقة عبر خلق مجتمع مدني قوي ومستقل، قادر على الضغط من أجل تحويل الدولة من “أداة هيمنة” إلى “إطار وطني للشراكة.
رابعاً: صراع التقليد والتحديث في المجتمع العراقي
المجتمع العراقي عاش طويلاً توتراً بين نموذجين للسلطة :
السلطة التقليدية المرتبطة بالمؤسسة الدينية والبنى الاجتماعية التاريخية.-
السلطة الحديثة المرتبطة بالدولة البيروقراطية والتعليم الحديث .-
لكن هذا الصراع لم يُحسم لصالح مشروع الدولة المدنية الحديثة… ؛ فالدولة نفسها لجأت في كثير من الأحيان إلى القوى التقليدية لضمان الاستقرار السياسي أو تعزيز شرعيتها… ؛ و هذا التوظيف الانتهازي للتقليدي لم يحسم الصراع لصالح الحداثة، بل عمّق التشابك والالتباس، وجعل الدولة تبدو كياناً هجيناً يمارس الاستبداد باسم التحديث، ويتحالف مع الماضي لضمان بقائه .
ففي مراحل مختلفة من التاريخ العراقي :
استعانت الدولة بالمؤسسة الدينية أو العشائرية .-
اعتمدت على شبكات الولاء التقليدية في إدارة المجتمع.-
وبذلك لم يتحقق انتقال حقيقي من المجتمع التقليدي إلى المجتمع المدني الحديث .
خامساً: ما بعد 2003 وإعادة إنتاج الأزمة
بعد الغزو الأمريكي للعراق 2003 وسقوط نظام المجرم الهجين صدام ، بدا وكأن العراق يدخل مرحلة إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية مختلفة تمام الاختلاف لما مر سابقا .
لكن ما حدث فعلياً هو إعادة إنتاج بنية الدولة نفسها بصيغة جديدة قائمة على المحاصصة الطائفية والإثنية والمناطقية والقومية … ؛فبدلاً من بناء دولة مواطنة حديثة :
جرى توزيع السلطة بين القوى السياسية وفق هويات طائفية وقومية.-
تحولت الدولة إلى ساحة لتقاسم الموارد والنفوذ .-
استمرت الدولة الريعية في توزيع المنافع عبر الأحزاب السياسية.-
أما المجتمع المدني الذي نشأ بعد 2003، فقد بقي في كثير من الأحيان ضعيف التأثير، أو مرتبطاً بالتمويل الخارجي أكثر من ارتباطه بحركة اجتماعية قادرة على الضغط السياسي .
نعم , مع تغيير النظام عام 2003، لم تنكسر هذه البنية المشوهة، بل أعيد إنتاجها بصيغة جديدة وأكثر تعقيداً… ؛ فالدولة الجديدة، التي قامت على أساس المحاصصة الطائفية والإثنية، حوّلت مؤسساتها إلى “مزرعة” لتقاسم الغنائم بين القوى السياسية كما اسلفنا … ؛ هنا، ازدادت حدة القطيعة بين الدولة والمجتمع… ؛ فالدولة لم تعد مجرد كيان فوقي يوزع الريع، بل تحولت إلى ساحة صراع محتدم بين نخب طائفية لا تمثل المجتمع بقدر ما تمثل جماعاتها الضيقة… ؛ و في هذا السياق، تحول المجتمع المدني نفسه إلى كيان هش ومجزأ؛ فالكثير من منظماته تحولت إلى أدوات لاستقطاب التمويل الخارجي أو غطاء لأنشطة سياسية، بدلاً من أن تكون قوة ضغط مجتمعية حقيقية تناضل من أجل الحقوق والمحاسبة .
سادساً: لماذا تقاطعت الدولة مع المجتمع؟
يمكن تلخيص أسباب القطيعة بين الدولة والمجتمع في العراق في مجموعة عوامل مترابطة :
-النشأة الفوقية للدولة … ؛فالدولة تشكلت قبل المجتمع السياسي الحديث .
-ضعف المجتمع المدني … ؛ وغياب المؤسسات الوسيطة المستقلة بين الدولة والمجتمع .
-الاقتصاد الريعي النفطي … ؛فالدولة التي لا تعتمد على الضرائب، وبالتالي لا تحتاج إلى عقد اجتماعي حقيقي مع المواطنين . –
-هيمنة الولاءات الأولية : فقد أصبحت العشيرة والطائفة والحزب تمثل قنوات العلاقة والاتصال مع الدولة .
-المحاصصة السياسية بعد 2003
فالسياسة تحولت بعد عام 2003 إلى عملية تقاسم للسلطة والموارد بين النخب والساسة … ؛ فضلا عن انعدام الثقة التاريخي بين المواطن والدولة ؛نتيجة عقود من السلطوية والحروب والاضطرابات والعنف والفساد والانحطاط .
سابعاً: المواطن والدولة – أزمة الانتماء
نتيجة هذه العوامل، أصبح كثير من العراقيين لا يرون الدولة باعتبارها فضاءً عاماً يمثلهم، بل جهازاً بعيداً عنهم… ؛ وغالباً ما ينظر المواطن إلى الدولة بوصفها :
-جهة تمنح الوظائف أو الامتيازات .
-مؤسسة بيروقراطية ثقيلة.
-ساحة صراع بين النخب والاحزاب السياسية والطوائف والجماعات العرقية والمناطقية .
وهذا ما يفسر ظاهرة ابتعاد المواطن عن الدولة، حيث تتراجع المشاركة السياسية الحقيقية، ويزداد الاعتماد على شبكات الحماية الاجتماعية التقليدية مثل العشيرة والطائفة والمنطقة .
ثامناً: هل يبدأ التغيير من المجتمع أم من الدولة؟
السؤال الجوهري في مستقبل العراق يتمثل في :
هل يبدأ الإصلاح من المجتمع أم من الدولة؟
هناك مساران متكاملان لا يمكن الفصل بينهما :
1-إصلاح الدولة
بناء مؤسسات مستقلة وقوية .-
تقليل الاعتماد على الاقتصاد الريعي.-
تعزيز سيادة القانون.-
. 2-بناء مجتمع مدني قوي
تطوير النقابات والمنظمات المستقلة.-
تعزيز الثقافة المدنية والمواطنة .-
خلق فضاءات اجتماعية للمساءلة والضغط السياسي.-
فالدولة القوية لا تعني الدولة المتغولة، بل الدولة التي تستمد شرعيتها من المجتمع، وتخضع لمؤسساته المدنية … .
خاتمة
إن أزمة العلاقة بين الدولة والمجتمع في العراق ليست مجرد أزمة سياسية آنية، بل هي نتيجة تاريخ طويل من التكوين غير المتوازن للدولة، وهيمنة الاقتصاد الريعي، وضعف المجتمع المدني، واستمرار الولاءات التقليدية .
ولهذا فإن بناء الديمقراطية في العراق لا يمكن أن يتحقق فقط عبر تغيير الحكومات أو النخب السياسية، بل يتطلب إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المواطنة، والمساءلة، والمؤسسات المستقلة .
فحين تنبثق الدولة من المجتمع، وتصبح مؤسساته قادرة على مراقبتها ومحاسبتها، تتحول السياسة من مجال للمحاصصة وتوزيع الريع إلى مجال لخدمة المواطن وبناء الصالح العام .
والتاريخ العراقي يشير إلى أن الدولة القوية والحقيقية لا تعني الدولة المتغوّلة المسيطرة، بل تلك التي تنبثق من المجتمع وتستمد شرعيتها من مؤسساته المدنية النشطة والمستقلة… ؛ إنها الدولة التي تحتاج إلى ضرائب مواطنيها، وبالتالي تكون مضطرة للاستماع إليهم وتقديم الخدمات لهم ، وهي الدولة التي تحسم صراعها مع النزعات الماضوية والعنصرية والطائفية لصالح المواطنة والقانون عبر إدماج المجتمع، لا عبر السيطرة عليه أو شراء ولاءاته .
……………………
المصادر
1-الدولة , المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في العراق / فالح عبد الجبار.
2-اللادولة / فالح عبد الجبار .
3- اشكاليات الهوية وبناء الدولة والمجتمع / فالح عبد الجبار .
4-العمامة والأفندي / فالح عبد الجبار .