آيات السياحة (فسيحوا في الأرض، الحامدون السائحون)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الميسر: قوله تعالى “فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ” ﴿التوبة 2﴾ فَسِيحُوا: فَ حرف استئنافية، سِيحُ فعل، وا ضمير. فَسيحوا: سيروا. فسيروا -أيها المشركون- في الأرض مدَّة أربعة أشهر، تذهبون حيث شئتم آمنين من المؤمنين، واعلموا أنكم لن تُفْلِتوا من العقوبة، وأن الله مذل الكافرين ومورثهم العار في الدنيا، والنار في الآخرة. وهذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمَّل له أربعة أشهر، أو مَن كان له عهد فنقضه.

جاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ” (التوبة 2) “فسيحوا” سيروا آمنين أيها المشركون “في الأرض أربعة أشهر” أولها شوال بدليل ما سيأتي ولا أمان لكم بعدها، “واعلموا أنكم غيرُ معجزي الله” أي فائتي عذابه، “وأنَّ الله مخزي الكافرين” مذلُّهم في الدنيا بالقتل والأخرى بالنار.

وردت كلمة سائح ومشتقاتها في القرآن الكريم: فَسِيحُوا، السَّائِحُونَ، سَائِحَاتٍ. وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ” ﴿التوبة 2﴾ (سيحوا) فعل أمر مشتق من (السياحة) ومعناها الجولة الهادفة.

وعن تفسير الميزان للعلامة السيد الطباطبائي: قوله تعالى: “التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ” (التوبة 112) إلى آخر الآية. أولا: وجه الترتيب بين الأوصاف التي عدها لهم فقد بدأ بأوصافهم منفردين وهي التوبة والعبادة والسياحة والركوع والسجود ثم ذكر ما لهم من الوصف الخاص بهم المنبعث عن إيمانهم مجتمعين وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وختم بما لهم من جميل الوصف في حالتي انفرادهم واجتماعهم وهو حفظهم لحدود الله، وفي التعبير بالحفظ مضافا إلى الدلالة على عدم التعدي دلالة على الرقوب والاهتمام. وثانيا: أن المراد بالسياحة ومعناه السير في الأرض على ما هو الأنسب بسياق الترتيب هو السير إلى مساكن ذكر الله وعبادته كالمساجد، وأما القول بأن المراد بالسياحة الصيام أو السياحة في الأرض للاعتبار بعجائب قدرة الله وما جرى على الأمم الماضية مما تحكيه ديارهم وآثارهم أو المسافرة لطلب العلم أو المسافرة لطلب الحديث خاصة فهي وجوه غير سديدة. أما الأول: فلا دليل عليه من جهة اللفظ البتة، وأما الوجوه الأخر فإنها وإن كانت ربما استفيد الندب من مثل قوله تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ” (المؤمنون 72)، وقوله: “فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ” (التوبة 122) من السورة إلا أن إرادتها من قوله: “السَّائِحُونَ” تبطل جودة الترتيب بين الصفات المنضودة. وثالثا: أن هذه الصفات الشريفة هي التي يتم بها إيمان المؤمن المستوجب للوعد القطعي بالجنة المستتبع للبشارة الإلهية والنبوية وهي الملازمة للقيام بحق الله المستلزمة لقيام الله سبحانه بما جعله من الحق على نفسه. قوله تعالى: “بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ” (ال عمران 45) المراد بالكلمة فقد قيل: إن المراد به المسيح عليه ‌السلام. أن سياق قوله: اسمه المسيح لا يناسبه فإن الكلمة على هذا ظهور عيسى المخبر به قبلاً لا نفس عيسى، وظاهر قوله: اسمه المسيح، أن المسيح اسم الكلمة لا اسم من تقدمت في حقه الكلمة. وفيه أن سياق الذيل أعني قوله: اسمه المسيح، لا يلائمه وهو ظاهر. والمسيح هو الممسوح سمي به عيسى عليه‌ السلام لأنه كان مسيحاً باليمن والبركه أو لأنه مسح بالتطهير من الذنوب، أو مسح بدهن زيت بورك فيه وكانت الأنبياء يمسحون به أو لأن جبرائيل مسحه بجناحه حين ولادته ليكون عوذة من الشيطان، أو لأنه كان يمسح رؤوس اليتامى، أو لأنه كان يمسح عين الأعمى بيده فيبصر، أو لأنه كان لا يمسح ذا عاهه بيده إلا برء، فهذه وجوه ذكروها في تسميته بالمسيح. وهذا اللفظ بعينه معرب مشيحا الواقع في كتب العهدين. والذي يستفاد منها أن بني إسرائيل كان من دأبهم أن الملك منهم إذا قام بأمر الملك مسحته الكهنة بالدهن المقدّس ليبارك له في ملكه فكان يسمى مشيحاً فمعناه: إما الملك وإما المبارك. قوله تعالى “قوله: “إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ” وقوله”إِنَّمَا الْمَسِيحُ” (النساء 171) أي المبارك. قوله تعالى: “فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ” (التوبة 2) السياحة هي السير في الأرض والجري ولذلك يقال للماء الدائم الجرية في ساحة: السائح. وأمرهم بالسياحة أربعة أشهر كناية عن جعلهم في مأمن في هذه البرهة من الزمان وتركهم بحيث لا يتعرض لهم بشر حتى يختاروا ما يرونه أنفع بحالهم من البقاء أو الفناء.

جاء في موقع المسلم عن مقدمات في السياحة: ذكر في معجم مقاييس اللغة بأن السين والياء والحاء أصل صحيح، وقياسه قياس ما قبله، وهو (سيب) فإنهما يدلان على استمرار الشيء وذهابه. يقال: سَاح في الأرض يَسِيْحُ سِيَاحَحً وسُيُوحَاً وسَيَحَاناً، أي: ذهب. والسِّياحة: الذهاب في الأرض للعبادة، والترهب. وقد سَاح، ومنه المسيح ابن مريم، عليهما السلام، لأنه كما جاء في بعض الأقاويل: كان يذهب في الأرض في أنما أدركه الليل صف قدميه، وصلى حتى الصباح، فإذا كان كذلك فهو مفعول بمعنى فاعل. قال في فتح الباري: “وأما عيسى فقيل سمي بذلك لأنه كان يمسح الأرض بسياحته”. وفي المعجم الوسيط: “السِّيَاحة: التنقل من بلد إلى بلد طلباً للتنزه أو الاستطلاع والكشف”. وفي المفردات: “ساح فلان في الأرض مَرَّ مَرَّ السائح، قال تعالى: “فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ” (التوبة 2)، ورجل سائح في الأرض وسَيَّاحٌ. وبهذا يتبين أن السياحة في اللغة هي مطلق الذهاب في الأرض للعبادة أو للتنزه أو الاستطلاع أو غير ذلك. قال في معجم مقاييس اللغة: “ومما يدل على صحة هذا القياس قولهم: ساح الظل إذا فاء” أي رجع من المغرب إلى المشرق. المطلب الثاني: تعريف السياحة اصطلاحاً. الفرع الأول: المفهوم الشرعي للسياحة: وردت السياحة في القرآن والسنة بمعان متنوعة متعددة وذلك كما يأتي: المعنى الأول: الصيام. يقول تبارك وتعالى: “التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ” (التوبة 112). ويقول عز وجل:”عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً” (التحريم 5).

وقد ذكرت روايات ان اشهر السياحة المذكورة في القرآن هي الاشهر الحرم”فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ” (التوبة 2). وسمي شهر ذو القعدة لان العرب كانت فيه تقعد عن القتال وتقعد عن الرحيل لطلب الكلأ اي للراحة والسياحة و استعدادا للحج ولهذا سمي من الاشهر المعلومات وقبله شوال وبعده عشر ذي الحجة “الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ” (البقرة 197). و يكثر الذهاب لعمرة بيت الله في ذي القعدة حيث قال انس: اعتمر رسول الله اربع كلهن في ذي القعدة الا التي كانت في حجته، ومنها عمرة الحديبية التي حصل فيها الصلح في شهر ذي القعدة. وفي روايات ان ثلاثين ليلة التي وعد فيها موسى عليه السلام هي شهر ذو القعدة “وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ” (الاعراف 142).