كيف تعرف أنك في كردستان العراق؟ حين تتكلم معاناة الحياة اليومية

إيهاب مقبل

في عام 2025، لم يعد الدفاع عن تجربة إقليم كردستان العراق مجرّد اختلاف في الرأي أو تنوّع في التقييمات، بل أصبح في كثير من الأحيان موقفًا دفاعيًا عن سلطة قائمة أكثر منه نقاشًا صادقًا حول تجربة سياسية يفترض أنها وُجدت لخدمة الإنسان. فبعد أكثر من ثلاثين عامًا من الحكم الذاتي، ومع تراكم الأزمات بدل حلّها، يبرز سؤال جوهري لم يعد بالإمكان تجاهله: لماذا يُطالَب المواطن دائمًا بالصبر، بينما تُعفى السلطة من المحاسبة؟

لطالما قُدّمت تجربة الإقليم بوصفها استثناءً إيجابيًا في عراق مضطرب، لكن تحويل “الاستثناء” إلى ذريعة دائمة يفرغ الفكرة من معناها. فالاستقرار الذي لا ينعكس على حياة الناس، ولا يضمن حقوقهم، ولا يحمي حرياتهم، يتحوّل إلى استقرار شكلي، يخدم بقاء النظام أكثر مما يخدم المجتمع. الأمن الحقيقي لا يُقاس بعدد الحواجز ولا بهدوء الشوارع فقط، بل بمدى شعور الإنسان بالأمان وهو يتكلم، ويحتج، ويطالب بحقه دون خوف.

الحياة اليومية في الإقليم تكشف فجوة واسعة بين الخطاب والواقع. ففي 2025، ما زال المواطن يواجه مشكلات بدائية في الخدمات: مجارٍ تطفح مع أول مطر، طرق تُحفر كل عام دون تخطيط، كهرباء غير مستقرة تُحمَّل كلفتها للناس، وماء يُشترى في إقليم غني بالموارد الطبيعية. هذه ليست تفاصيل عابرة، بل تعبير عن سوء إدارة مزمن وغياب رؤية تنموية حقيقية. السؤال هنا ليس: هل الوضع أفضل من مناطق أخرى؟ بل: لماذا لا يتناسب مستوى الخدمات مع الإمكانيات المتاحة؟

الخطاب المدافع عن التجربة يتجاهل أيضًا أزمة العدالة الاجتماعية. فبينما يُطلب من الموظف والطالب والعاطل عن العمل “تفهم الظروف”، تتراكم الثروات في أيدي قلة مرتبطة بالسلطة. في 2025، يعاني الاقتصاد من اختلال واضح: بطالة شبابية متزايدة، قطاع خاص هش يعتمد على القرب من مراكز القرار، واقتصاد ريعي يقوم على الرواتب لا على الإنتاج. الهجرة لم تعد خيارًا استثنائيًا، بل حلمًا جماعيًا لجيل كامل لا يرى مستقبله داخل الإقليم.

سياسيًا، تُستخدم الديمقراطية كشكل لا كجوهر. الانتخابات تُجرى، لكن التداول الحقيقي للسلطة غائب. البرلمان موجود، لكن تأثيره محدود. المعارضة مسموح لها بالكلام، لكن ليس بالتغيير. الإعلام يعمل، لكن ضمن خطوط حمراء غير مكتوبة. الديمقراطية التي لا تمكّن المواطن من محاسبة من يحكمه، ليست ديمقراطية فعالة، بل واجهة سياسية تُدار بعقلية احتكارية.

أما الأجهزة الأمنية، التي تُقدَّم كرمز للاستقرار، فتثير بدورها قلقًا متزايدًا. حين يشعر المواطن أن الجهاز الأمني أقرب للسلطة منه للمجتمع، وحين يُنظر إلى النقد بوصفه تهديدًا، لا حقًا، فإن الأمن يتحوّل من ضمانة إلى أداة ضبط. لا يمكن بناء مستقبل سياسي سليم في ظل أمن لا يخضع للمساءلة ولا للقانون.

أخطر ما في خطاب الدفاع عن التجربة هو تحريم النقد باسم الهوية. يُقال للناس إن نقد الأداء السياسي إساءة للقومية الكوردية، وإن مساءلة الفساد طعن في “المكتسبات”. هذا المنطق لا يحمي القضية، بل يختزلها في نخبة حاكمة، ويحوّلها من مشروع تحرري إلى سلطة مغلقة. القضايا العادلة لا تحتاج إلى تقديس، بل إلى تصحيح دائم.

إذًا تعرف أنك في كردستان العراق عندما لا تعيش في دولة،
بل في ظل حزب،
ولا يحكمك قانون،
بل مزاج جهاز أمني.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما تكون السجون موجودة لكن غير مرئية،
وعندما يُحتجز الناس لأشهر دون محاكمة،
وتُسمّى الزنازين “مراكز تحقيق”،
ويُختصر القضاء بتقرير أمني.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما تسمع كثيرًا عن الحرية،
لكن الصحفي يكتب بحذر،
والموظف يتكلم همسًا،
والمواطن يحسب كلماته قبل أن ينطق بها.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما يصبح السؤال جريمة،
والكلمة ملفًا،
والرأي “مشكلة أمنية”،
وحين يُنصَح العاقل بالصمت
كي لا يُتَّهم بالعمالة أو الخيانة.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما يصبح الفساد ملفًا معروفًا للجميع،
لكن لا يُفتح،
وعندما تعرف من يسرق،
ومن يغتني،
ومن يملك القصور،
لكن لا تعرف كيف يُحاسَب أحد.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما تُدار الثروة بعقلية العائلة،
وتُوزَّع المناصب بالولاء،
وتتحول الثورة إلى شركة،
والنضال إلى إرثٍ يُورَّث.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما يُقال لك إن القيادة هي الشعب،
وإن نقد الزعيم إساءة للتاريخ،
وإن مساءلة الحزب خيانة للقضية.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما يُقال لك إن القيادة هي الشعب،
وإن القائد لا يُخطئ،
وإن من ينتقده “يشتم الكرد”.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما تختفي الدولة
وتظهر الأسايش،
وعندما يُؤخذ الناس من بيوتهم بلا مذكرة،
ويُحتجزون بلا تهمة،
ويُفرج عنهم بلا اعتذار،
وكأن الحرية منّة لا حق.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما ترى السجون بلا أسماء،
والضحايا بلا قضايا،
والجلادين بلا محاسبة،
وحين يُقال لك إن “الأمن أولًا”
حتى لو دُفن الإنسان حيًا.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما يصبح الفساد نظامًا،
لا استثناء،
وعندما تُنهب الثروة علنًا،
وتُبنى الإمبراطوريات باسم النضال،
ويتحول دم الفقراء إلى رصيد سياسي.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما تُستخدم المظلومية
لا لرفع الظلم،
بل لتبرير ظلمٍ جديد،
وعندما يُستدعى الماضي كلما فشل الحاضر.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما تُستخدم المظلومية التاريخية
كدرعٍ ضد أي سؤال عن الحاضر،
وعندما تُستحضَر دماء الضحايا
لا لتحقيق العدالة،
بل لإسكات الأحياء.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما يُقدَّم صراع الحزبين
كأنه خلاف وطني،
بينما هو في الحقيقة
اقتتال نفوذ، ومال، وأجهزة،
لا علاقة له بالشعب ولا بالقضية.

تعرف أنك في كردستان العراق عندما تكون القومية صاخبة،
لكن الكرامة صامتة،
والأعلام عالية،
لكن الإنسان منخفض.

تعرف أنك في كردستان العراق
عندما تغرق الشوارع بالمجاري،
لكن الخطب نظيفة،
وعندما تسيل الأوساخ أمام بيتك
بينما تُلمَّع صور القادة في كل زاوية.

تعرف أنك في كردستان العراق
عندما تنقطع الكهرباء ساعات طويلة عن 60% من السكان،
لكن قصور المسؤولين لا تعرف الظلام،
وحين يُطلب منك أن تتحمل
لأن “الوضع حساس”
منذ ثلاثين سنة.

تعرف أنك في كردستان العراق
عندما تشتري الماء
في أرض مليئة بالأنهار،
وحين يصبح التيار الكهربائي “مكرمة”
لا خدمة،
والمولدة أقوى من الدولة.

تعرف أنك في كردستان العراق
عندما يعمل الموظف شهورًا
ولا يعرف متى يقبض راتبه،
لكن الفاسد يعرف تمامًا
أين يودع أمواله
وفي أي دولة غربية.

تعرف أنك في كردستان العراق
عندما تُهدم الطرق كل شتاء،
وتُرقّع كل انتخابات،
وتبقى الحفر أعمق
من أي برنامج حكومي.

تعرف أنك في كردستان العراق
عندما يمرض الفقير
فيُحال إلى القدر،
ويمرض المسؤول
فيُحال إلى أوروبا،
وحين يصبح المستشفى مكانًا للخطر
لا للعلاج.

تعرف أنك في كردستان العراق
عندما يخاف المواطن من الشرطي
أكثر مما يخاف من اللص،
ويحسب ألف حساب
قبل أن يشتكي،
لأن الشكوى قد تعود عليه
كملف أمني.

تعرف أنك في كردستان العراق
عندما تُرفع رايات القومية
فوق أحياء بلا صرف صحي،
ويُتغنّى بالهوية
بينما الإنسان يعيش بلا كرامة.

تعرف أنك في كردستان العراق
عندما يُقال لك:
“نحن نمثلك”،
لكنهم لا يشربون ماءك،
ولا يسيرون في شوارعك،
ولا يعيشون حياتك.

تعرف أنك في كردستان العراق
عندما يتحول الصبر إلى واجب وطني،
والجوع إلى تضحية،
والصمت إلى حكمة،
والهجرة إلى حلم مشروع.

وتعرف أنك في كردستان العراق
عندما تفهم أخيرًا
أن المشكلة ليست في المجاري فقط،
ولا في الكهرباء فقط،
بل في نظام كامل
يريدك أن تعيش هكذا…
وتشكره.

وتعرف يقينًا أنك في كردستان العراق
عندما يُطلب منك أن تصفق أو ترحل،
أن تؤمن أو تُتَّهم،
أن تصمت كي تعيش،
وأن تنسى
كي لا تُكسَر.

في 2025، لم يعد مقنعًا أن يُطلب من المواطن أن يقارن نفسه دائمًا بالأسوأ، أو أن يعيش على وعود مؤجلة، أو أن يعتبر الصمت حكمة وطنية. المقارنة الحقيقية يجب أن تكون مع الممكن، مع المعايير التي تستحقها المجتمعات التي تمتلك موارد، وتجربة طويلة، وطموحًا مشروعًا. الدفاع الحقيقي عن الإقليم لا يكون بإنكار أزماته، بل بالاعتراف بها، وفصل الحزب عن الدولة، وبناء مؤسسات تخدم الناس لا الولاءات.

إن أي تجربة سياسية تُقاس في النهاية بإنسانها:
هل يعيش بكرامة؟
هل يثق بالقانون؟
هل يرى مستقبله في بلده؟

وإذا كان الجواب مترددًا أو مؤلمًا، فالمشكلة ليست في من يطرح السؤال، بل في كل هذا الإصرار على الدفاع… بدل الإصلاح.

انتهى