الطائفية والنكران: تحليل عابر للحدود للعلاقات العراقية الأردنية بين التاريخ والكراهية المعاصرة

رياض سعد

لا يمكن اختزال التوتر الحالي بين العراقيين والأردنيين في مجرد منافسة كروية عابرة هنا وهناك … ؛  إنه تعبير عن جروح تاريخية عميقة، وتراكم لمشاعر المرارة، وتوظيف سياسي للانقسامات الطائفية، تحولت معه الرياضة والمجال العام إلى ساحة لتصفية حسابات مركبة ومعقدة… ؛  هذا التحليل يستهدف الطبقات المتعددة لهذه الظاهرة، من جذورها الاقتصادية والتاريخية إلى تجلياتها الاجتماعية والنفسية الراهنة.

*التحليل التاريخي والاقتصادي: علاقة المنفعة والتبعية

يشكل العامل الاقتصادي حجر الزاوية في فهم هذه العلاقة… ؛  فخلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم ، تحول الأردن إلى “المتنفس الاقتصادي” الوحيد تقريباً للعراق تحت وطأة الحصار الدولي… ؛ كانت السوق الأردنية و ميناء العقبة والبنوك قنوات حيوية لتنفيذ برنامج “النفط مقابل الغذاء” ؛ مما حقق انتعاشاً اقتصادياً ملموساً للأردن… ؛  وهذا الدور ولَّد لدى قطاع  كبير من الشارع الأردني والنخب نظرة مفادها أن العراق هو مصدر للإيرادات والمنفعة بل البقرة الحلوب ، سواء عبر النفط المجاني في عهد النظام السابق , أو تصدير المنتجات والبضائع الاردنية , أو طرق النقل وفرض الكمرك والضرائب … الخ ، أو عبر رؤوس الأموال العراقية الهاربة بعد عام 2003 والتي قُدرت بعشرات المليارات وساهمت في نسب نمو أردنية مذهلة… ؛  هذه العلاقة غير المتكافئة والمنكوسة غذت لدى بعض العراقيين شعوراً بأن بلدهم كان يُستغل في أحلك ظروفه، وأن هذا الاستغلال لم يقترن بالامتنان بل أحياناً بالازدراء والاحتقار .

*التحليل الاجتماعي والسياسي: طائفية مُستورَدة ومخاوف مُستحدثة

بعد عام 2003، تحولت ديناميكية العلاقة… ؛  مع هجرة آلاف العراقيين، معظمهم من التجار وأصحاب رؤوس الأموال، إلى الأردن هرباً من العنف … ؛ اذ برزت ظاهرة التحسس والحسد الاجتماعي والغيرة الاقتصادية… ؛ اذ اتُّهم العراقيون بـ “إشعال أسعار العقارات” ووصفوا بـ “لصوص الحروب”، في خطاب شعبي يحمل في طياته حقداً طبقياً وتمييزاً… ؛  وفي الوقت ذاته، استغلت بعض التيارات السياسية والأمنية الأردنية ذات النزعة السلفية والوهابية التغير الديموغرافي في العراق لتغذية خطاب طائفي تحذيري، صورت من خلاله اللاجئين العراقيين الشيعة كطابور خامس أو كامتداد لميليشيات طائفية… ؛  وقد وجد هذا الخطاب صدى في تصريحات رسمية رفيعة المستوى حذَّرت من “الهلال الشيعي”.

أضف إلى ذلك الوجود المكثف لرموز النظام البعثي السابق ومعارضي النظام الديمقراطي الجديد من ابناء الفئة الهجينة والطائفة السنية الكريمة  في عمان، والذين وجدوا فيها منصة للإعلام والتأثير والتحشيد الطائفي … ؛  هذا الوجود، مع التأييد العلني لبعض الأردنيين لصدام وتاريخه الاجرامي … ؛  يُعد استفزازاً عميقاً للعراقيين الذين عانوا من حروب وقمع ذلك النظام الدموي … ؛  كما أن افتعال مشاجرات أمام السفارة العراقية في عمان وهتافات مثل “بالروح بالدم نفديك يا صدام” في فعاليات رسمية عراقية، يعمق لدى العراقيين إحساساً بأن جزءاً كبيرا من المجتمع الأردني لا يعترف بمأساتهم بل يمجد رمزها الاجرامي .

*التحليل النفسي: تنفيس الكراهية ونكران الجميل

يمكن تفسير المظاهر العدائية في الملاعب كآلية تنفيس جماعي عن كراهية متراكمة… ؛  تتحول الرياضة إلى مسرح آمن نسبياً لتفريغ التوترات السياسية والطائفية تحت غطاء المنافسة المشروعة… ؛  إن تحويل الخصم الرياضي إلى “آخر” طائفي أو سياسي (شيعي، مؤيد لإيران، إلخ) يجرد المواجهة من طابعها الرياضي البحت ويمنح العداء شرعية هوياتية أعمق.

كما يلاحظ ظاهرة نفسية-اجتماعية مقلقة هي “نكران الجميل”… ؛  رغم الدعم العراقي التاريخي المالي والعسكري للقضية الفلسطينية والدول العربية الفقيرة، بما فيها المساعدات النفطية للأردن التي تجاوزت المليارات، فإن الخطاب العدائي يتجاهل هذا التاريخ تماماً…؛  قد يكون هذا نتيجة لتغير بؤرة التضامن العربي، أو لسيطرة الصورة النمطية الطائفية الحالية على الإرث التاريخي، أو حتى كرد فعل على حالة الضعف والانقسام التي يعيشها العراق حالياً، مما يدفع بعض الشعوب إلى ركل من يرونه “في الأسفل أو في الجانب الاخر “.

*مظاهر التصرفات الطائفية والعدائية: من المطار إلى الملعب

هذه العوامل مجتمعة تترجم إلى ممارسات يومية مؤلمة للعراقيين، منها:

• في المنافذ الحدودية والمطارات: تشير تقارير إلى تعرض العراقيين، ولاسيما من يُعتقد أنهم شيعة، لإذلال واستجوابات أمنية مهينة، بل وصل الأمر وفقاً لتقارير حقوقية إلى ترحيل بعض العراقيين من الحدود الأردنية مع علم السلطات بأن مصيرهم قد يكون القتل على يد جماعات مسلحة في مناطق عبورهم.

• في الملاعب الرياضية: تتعدى المنافسات الرياضية حدود التنافس الشريف إلى الهتافات الطائفية المسيئة… ؛  فبعد مباراة العراق وفلسطين في عمان (مارس 2025)، هتف جمهور أردني وفلسطيني بعبارات نابية وطائفية ضد العراقيين مثل “يا عراقي يا كواد… يلا روح على بغداد”… ؛  كما أن المناكفات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين المباريات غالباً ما تتحول إلى استدعاء لرموز سياسية (كصدام) أو طائفية (الشيعة وإيران) بدلاً من التركيز على الجانب الرياضي.

• في الفضاء العام: تظهر حوادث الاعتداء على سيارات ومنازل عراقية في عمان وإربد، ونصب خيام العزاء للارهابي أبو مصعب الزرقاوي، ولصق صور للمجرم صدام  على السيارات في مناسبات معينة، كتعبيرات صادمة عن هذا العداء المترسخ لدى فئة كبيرة من المجتمع.

*الاستنتاج: خراب متبادل وجراح تحتاج إلى مداواة

خلاصة القول، إن العلاقة بين شريحة واسعة من العراقيين والأردنيين تعيش أزمة ثقة عميقة… ؛ و العراقيون باتوا “لا يطيقون” ما يرونه استغلالاً اقتصادياً تاريخياً وتحولاً للجارة التي استفادت من محنتهم إلى ساحة لإيواء أعدائهم وتمجيد طاغيتهم … ؛  بينما يرى جزء كبير من الأردنيين في اللاجئين والمستثمرين العراقيين مصدراً لتشويه هويتهم ورفع أسعار معيشتهم وتمهيداً لنفوذ طائفي يُخشى منه.

الخطر الحقيقي يكمن في أن هذا الاستقطاب المسموم يخدم أجندات سياسية داخلية وإقليمية على حساب مصلحة الشعبين … ؛  تحويل العراقي أو الأردني إلى “عدو هوياتي” يصرف الأنظار عن الملفات الداخلية الملحة لكلا البلدين … ؛  إن كرة القدم هنا ليست سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، أو الشماعة التي تُعلَّق عليها أحقاد تاريخية واجتماعية وسياسية متراكمة… ؛ و المخرج  من هذه الدائرة المغلقة  يتطلب جرأة سياسية لقمع الخطاب الطائفي والسياسي الحاقد … ؛  وجهوداً إعلامية وثقافية لاستعادة صورة الأخوة المجردة من منطق المنفعة والطائفية، والاعتراف المتبادل بالألم والتاريخ… ؛  فبدون ذلك، ستستمر الملاعب والمطارات في كونها شواهد على خراب العلاقة بين جارين جمعتهما الجغرافيا وفرقتهما السياسة والطائفية.