رياض الفرطوسي
ليس العمل وحده ما يحدد مسار المجتمعات، ولا الإعلام مجرد مرآة تعكس ما يحدث على السطح. بين الاثنين تنشأ علاقة أعمق وأخطر: علاقة صناعة وعي. فحيثما يتغير شكل الاقتصاد، ويتحوّل سوق العمل، يصبح السؤال الحقيقي: من يشرح هذا التحول؟ ومن يمنحه معنى يمكن للناس أن يثقوا به؟
العمل في القطاع الخاص، على وجه الخصوص، لم يعد مسألة فرص أو رواتب فقط، بل معركة صورة ذهنية. صورة تشكّلت عبر سنوات من الحكايات المتناقلة، بعضها حقيقي، وكثيرها مبالغ فيه، وبعضها الآخر نتاج صمت إعلامي ترك الفراغ لغير المختصين. هنا لا يكون الإعلام غائباً فحسب، بل متقاعساً عن دوره الأخطر: تفسير الواقع لا الاكتفاء بنقله.
التشريعات والسياسات الحكومية تضع الإطار، لكنها لا تصنع القناعة. القناعة تُولد عندما يفهم الناس لماذا يتغير السوق، وكيف يمكن للفرد أن يجد مكانه فيه دون أن يخسر استقراره أو كرامته المهنية. وهذه مهمة إعلامية بامتياز. فالإعلام القادر على تبسيط التحولات الاقتصادية، وشرح منطقها، وربطها بحياة الناس اليومية، هو إعلام يشارك فعلياً في التنمية، لا يكتفي بتغطيتها.
المشكلة أن الخطاب السائد حول العمل، خاصة في القطاع الخاص، كثيراً ما يركز على التعب والمخاطر، ويتجاهل مساحات النمو والتطور. لا أحد ينكر صعوبة المنافسة أو ضغط الأداء، لكن اختزال التجربة في جانبها القاسي فقط يشبه الحكم على البحر من موجة عاتية. الإعلام المسؤول لا يُخفي العواصف، لكنه يذكّر بأن الإبحار ممكن، وأن هناك من وصلوا إلى الضفة الأخرى.
حين يسلّط الضوء على قصص نجاح واقعية لمواطنين صنعوا مساراتهم المهنية في شركات خاصة، أو خاضوا تجربة ريادة الأعمال، فهو لا يروّج لوهم، بل يعيد التوازن للصورة. وحين تُقدَّم هذه النماذج بوصفها مسارات وطنية لا استثناءات نادرة، يتحول العمل من خيار مؤقت إلى مشروع حياة.
للدراما، والبرامج الحوارية، والمواد الوثائقية، وحتى المحتوى الرقمي السريع، دور حاسم في هذا السياق. فالعقل لا يتشكّل بالأرقام وحدها، بل بالصور والحكايات. وحين يرى الشاب نفسه في قصة قريبة منه، بملامح تشبهه وأسئلة تشغله، يصبح الإيمان بالفرصة أكثر واقعية، وأقل تجريداً.
كما أن التعاون بين المؤسسات الإعلامية والجهات المعنية بسوق العمل والتمكين المهني ضرورة لا ترفاً. الحملات التوعوية الناجحة هي تلك التي تتحدث بلغة الناس، تشرح الفرص بوضوح، وتفكك المخاوف دون خطاب وعظي أو دعائي. فالمعلومة الصادقة، حين تُقدَّم بذكاء، أقوى من ألف شعار.
في جوهره، الإعلام ليس ناقلًا محايداً للخبر، بل شريك في تشكيل الاتجاه العام. وحين يتعامل مع العمل باعتباره قيمة اجتماعية لا مجرد وظيفة، فإنه يساهم في إعادة تعريف النجاح، ويربط بين الإنتاج والاستقرار والانتماء.
الإعلام والعمل، حين يلتقيان على أرضية الوعي، لا يصنعان موظفين فحسب، بل مواطنين واثقين بخياراتهم. وربما هنا تكمن القصة الأهم: ليست قصة وظيفة تُمنح، بل وعي يُبنى، وإذا بُني الوعي جيدًا، تبعته الفرص من تلقاء نفسها.