رسائل إلى المجهول

رياض سعد

جلس رائد على مصطبةٍ قرب مشاتل الزهور، يتنفس عبير الماء والتراب، ويراقب الأشجار وهي تهتزّ تحت رذاذ السقي كأنها تغتسل من غبار النهار.

لفت انتباهه شابٌّ عشرينيّ، طويل القامة، رياضيُّ البنية، يتهادى في مشيته مزهوًّا بنفسه، وسماعتان صغيرتان تعزلانه عن العالم.

عبر الشارع بخفّة، ثم جلس على حافة الجزرة الوسطية، في موضعٍ لا يفصله عن السيارات المسرعة سوى شبرٍ من غفلة.

كانت عيناه معلّقتين بشاشة هاتفه، وأصابعه تركض فوقها بجنون، كأن حياةً كاملةً تجري هناك… ؛ أما هدير المركبات من حوله فلم يكن يعنيه بشيء.

صاح رائد: — يا بُنيّ، انتبه… المكان خطر!

رفع الشاب رأسه، ابتسم ابتسامةً عابرة، ثم تراجع خطوةً إلى الوراء.. , أغلق هاتفه أخيرًا، وعبر الشارع، واستقلّ سيارة أجرةٍ مضت به بعيدًا.

ظلّ رائد يتأمل أثره المتلاشي، ثم قال في سرّه:

“ما أكثر الذين ينجون من السيارات… ويواصلون الركض نحو الحوادث التي تأتيهم في هيئة رسائل.”