د. قحطان الظالمي _ صحفي
تتزايد حدة الجدل في الساحة العراقية حول موضوع نزع سلاح الفصائل والمقاومة وهي قضية تتجاوز البعد الأمني التقني لتلامس صميم السيادة والهوية السياسية للدولة ينقسم المشهد بين تيارين رئيسيين مؤيد يرى في حصر السلاح بيد الدولة خطوة نحو ترسيخ السيادة ومعارض يرفض النزع خارج إطار وطني جامع يحفظ توازن الردع لكن الغوص في عمق هذا النقاش يكشف أن الإشكالية الحقيقية ليست في “نزع السلاح” كمفهوم مجرد بل في فهم طبيعة هذه الكيانات المسلحة وعلاقتها بالدولة نفسها.
إذا أردنا تحليل الموضوع بدقة يجب البدء من حقيقة أساسية العديد من تشكيلات المقاومة في العراق ليست كيانات هامشية أو خارجة عن النظام بل هي قوى مُمأسسة تشكل جزءا من البنية الرسمية للدولة من نواحٍ عدة:
· التمثيل السياسي: تشارك في صناعة القرار عبر تمثيلها في السلطة التنفيذية والتشريعية.
· الاندماج الإداري: تعمل ضمن الأطر الإدارية للدولة (موظفون، مدراء عامون).
· التبعية القيادية: تخضع تنظيميا لأوامر القائد العام للقوات المسلحة (رئيس الوزراء).
في هذا السياق يصبح توصيف هذه التشكيلات بـ”الكيانات الموازية” إنها عمليا جزء من أجهزة الدولة الدفاعية والأمنية التي نشأت استجابة لفراغ تاريخي وتهديد وجودي.
إذن السؤال الجوهري يتغير هل يمكن للدولة أن تنزع سلاح تمتلكه مؤسساتها السيادية؟ المنطق يقول لا الدول لا “تنزع” سلاح أجهزتها بل تعيد هيكلتها أو تدمجها أو تعيد تعريف أدوارها لذلك فإن المصطلح الأصح هو “إدارة السلاح الوطني” أو “تنظيم القوة ضمن عقيدة أمنية موحدة”.
الخلاف الحقيقي يدور حول:
· من يمتلك قرار استخدام هذه القوة؟
· تحت أي ظرف وبأي غطاء قانوني؟
· كيف تُدار ضمن استراتيجية دفاعية وطنية واحدة؟
يظهر موقف العديد من قادة وفصائل المقاومة ترحيبا مشروطا بفكرة “التسليم” أو “التنظيم”، شرط أن يكون ذلك “لأيدٍ أمينة داخل الدولة نفسها” هذا الموقف يحمل دلالات عميقة:
١. التمسك بالقرار لا بالسلاح: يؤكد أن الهدف ليس التمسك بالسلاح لذاته بل ضمان بقاء قراره السيادي بيد قيادة وطنية موثوقة وغير خاضعة.
2. الانطلاق من منطق الدولة: يُظهر أن هذه القوى ترى نفسها جزءا من النظام السياسي وتقبل بإعادة توزيع أدوات القوة طالما بقيت داخل الإطار الوطني السيادي.
3. رفع التهمة الجاهزة: ينسف الرواية التي تصورهم كعقبة أمام بناء الدولة ويؤكد أنهم يرفضون فقط “تفريغ الدولة من عناصر قوتها أو تسليم أمنها لفراغ”.
إدراك هذه القوى لوجود عمق إقليمي داعم خاصة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية كدولة جارة لها مصالح أمنية متقاطعة مع أمن العراق يلعب دورا في هذه المعادلة هذا الإدراك:
· يمنح طمأنينة استراتيجية بأن العراق ليس معزولا في مواجهة التهديدات الكبرى.
· يسمح بالتفكير بعقل الدولة وليس بعقل الخوف أو الارتجال مما يجعل عملية تنظيم السلاح داخليا تبدو أقل إثارة للقلق الوجودي.
· يفصل بين تنظيم القوة داخليا (كمسألة سيادة) والحفاظ على معادلة الردع خارجيا (كمسألة تحالفات إقليمية).
هنا، الدعم الإقليمي لا يطرح كبديل للسيادة بل كشبكة أمان في حالات الانهيار أو العدوان الخارجي مما يعزز ثقة هذه القوى بإمكانية الانتقال نحو نموذج أكثر تنظيما دون تجريد البلاد من أدوات ردعها.
قضية السلاح في العراق هي اختبار حقيقي لمفهوم الدولة ذاتها الحل لا يكمن في شعارات “النزع” القسري التي تهدد بخلق فراغ أو إثارة صراع ولا في الاستمرار في تعددية القرار الأمني التي تضعف السيادة.
المخرج الواقعي يتطلب حوارا وطنيا شاملا ينتقل من السؤال العقيم “هل نزع السلاح؟” إلى الأسئلة الجوهرية:
· كيف نبني دولة قوية قادرة على الحماية بحيث لا تشعر أي فئة بحاجة إلى سلاح خارج إطارها؟
· كيف نؤسس لعقيدة أمنية وطنية جامعة تُدْرج كل أدوات القوة تحت قيادة سيادية واحدة؟
· كيف نكفل انتقالا تدريجيا منظما يحترم التضحيات السابقة ويبني الثقة؟
الهدف النهائي هو دولة السيادة الكاملة التي تحمي نفسها بكل أدواتها المشروعة دون أن تفرط في أي عنصر من عناصر قوتها ودون أن تسمح بتشتت قرارها هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم.