هندسة الموت في إيران 2025: حين تغدو المشانق آخر حصون الاستبداد

نظام مير محمدي*

الميزان المختل بين البقاء والقمع
لن يُسجل عام 2025 في التاريخ السياسي المعاصر لإيران كعامٍ للاستقرار، بل كعام للمواجهة السافرة بين «آلة الإعدام» و«إرادة التغيير». يُظهر التحليل الإحصائي والميداني لحالة حقوق الإنسان في إيران أن النظام الحاكم، وفي مواجهة أزمات الشرعية المتفاقمة والانهيار الاقتصادي، قد لجأ مرة أخرى إلى أكثر أدوات الحكم بدائية وعنفاً، أي سلب الحق في الحياة. ولكن هذه المرة، تجاوزت أبعاد هذا العنف الهيكلي كل الخطوط الحمراء، مسجلة أرقاماً قياسية لم تشهدها البلاد في العقود الثلاثة الماضية.

تشريح الأرقام: رقم قياسي للجريمة لم يُسبق منذ 37 عاماً
استناداً إلى الوثائق البحثية والتقارير الموثقة، شهدت إيران في عام 2025 موجة مروعة من الإعدامات. وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 2200 شخص قد أُعدموا شنقاً في هذا العام. هذا الرقم لا يمثل كارثة إنسانية فحسب، بل يُعد «رقماً قياسياً غير مسبوق خلال الـ 37 عاماً الماضية».
النقطة الاستراتيجية في هذه الإحصائية تكمن في التوزيع الجغرافي؛ إذ لم تقتصر الإعدامات على السجون المركزية في طهران، بل تحولت 91 مدينة في جميع أنحاء إيران إلى مسرح لتنفيذ أحكام الموت. يشير هذا التوسع الجغرافي إلى «استراتيجية رعب شامل»؛ حيث يسعى النظام، من خلال توزيع الموت على الخارطة الإيرانية، إلى وأد أي بؤرة محتملة للاحتجاج في مهدها. هذا الحجم من الإعدامات يتجاوز الإجراءات القضائية المعتادة، ليكشف عن «حرب شاملة ضد المجتمع» تُدار مباشرة من قبل مكتب المرشد والأجهزة الأمنية.

الترابط الجدلي بين الإعدام والاحتجاجات
لماذا تتحرك آلة الإعدام في عام 2025 بهذه السرعة الجنونية؟ يكمن الجواب في شوارع إيران وأسواقها. تُظهر التقارير الميدانية المستقاة من المصادر البحثية وجود صلة مباشرة بين «ارتفاع معدلات الإعدام» و«اتساع رقعة الانتفاضات الاجتماعية».
فبينما ينشغل القضاء بنصب المشانق، تعيش القطاعات الحيوية في الاقتصاد والسياسة الإيرانية حالة من الغليان:
انتفاضة البازار (السوق) الشاملة: تفيد التقارير الواردة من طهران والعديد من المدن الأخرى بوجود إضرابات واسعة في الأسواق الرئيسية. فمن “بازار طهران” إلى “ميدان شوش” و”شارع ملت”، أغلق التجار والكادحون محالهم لينضموا إلى صفوف المحتجين.
الجامعة؛ معقل الحرية: بالتزامن مع إضرابات السوق، عادت الجامعات الكبرى لتصبح بؤراً للمواجهة والاحتجاج. إن التحالف التاريخي بين «الطالب» و«التاجر» – الذي طالما شكل كابوساً للأنظمة الاستبدادية في إيران – قد أصبح حقيقة واقعة في عام 2025.

يُثبت هذا التزامن أن الإعدام في إيران 2025 ليس إجراءً عقابياً لجرائم عادية، بل هو «رد أمني» على الشلل الذي أصاب الجسد الاقتصادي والتعليمي للبلاد. يحاول النظام من خلال الإعدامات الواسعة رفع تكلفة المعارضة المدنية إلى حد الموت.

التحليل البنيوي: الإعدام كأداة للحكم
من منظور التحليل السياسي، عندما يفقد نظام سياسي القدرة على حل الأزمات المعيشية والاجتماعية، فإنه يلجأ إلى «الإدارة عبر الصدمة». تُعد إعدامات عام 2025 في إيران جزءاً من هندسة البقاء لولاية الفقيه.
في ظل اتساع رقعة الإضرابات في المدن المختلفة ووصول المواجهات في مناطق مثل “ميدان شوش” إلى ذروتها، يستخدم النظام الإعدام كـ «جدار صوتي» لكسر هيبة الاحتجاجات. ولكن، رقم 2200 إعدام يكشف عن حقيقة معاكسة أيضاً: هذا الحجم من العنف يعكس «عجزاً بنيوياً». فالنظام لم يعد قادراً على حفظ النظام القائم عبر الإقناع أو الإصلاح أو حتى الاعتقالات التقليدية، بل بات يعتمد حصراً على «الحذف الجسدي».

رسالة إلى الرأي العام العالمي والمجتمع العربي
الحقيقة المستترة في المجتمع الإيراني لعام 2025 هي أن تحت قشرة هذه الإعدامات العشوائية، تجري مقاومة شرسة. كل مشنقة تُنصب هي في الحقيقة شهادة على فشل المقاربات الدبلوماسية لإصلاح هذا الهيكل. بالنسبة للعالم العربي والمجتمع الدولي، يجب اعتبار إعدامات 2025 بمثابة جرس إنذار؛ فهذه الإعدامات ليست دليلاً على القوة، بل هي مؤشر على هشاشة أسس نظام حطم الرقم القياسي للجريمة في الـ 37 عاماً الماضية من أجل شراء بضعة أيام إضافية من البقاء.

خاتمة: الفجر في مواجهة حبل المشنقة
إيران في عام 2025 هي ساحة لمعركة غير متكافئة بين «حبل المشنقة» و«صرخة الحق». إن إحصائية 2200 إعدام في 91 مدينة هي وثيقة تستدعي حكم الضمير الإنساني. ومع ذلك، فإن استمرار الإضرابات في الأسواق وصمود الجامعات يثبتان أن آلة القمع، ورغم كل وحشيتها، قد عجزت أمام الإرادة الجماعية للتغيير. إن إعدامات 2025 ليست نهاية للاحتجاج، بل هي وقود لمحرك انتفاضة جعلت من العدالة المطلب الأول لكل إيراني.

*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني