مرايا الإسفلت

رياض سعد

في عطلة رأس السنة، حين كانت المدينة تخلع تقويمها القديم وتلبس وجهاً جديداً من الضباب والأضواء، جلس عباس بين صديقين مقرّبين، يبادل أكواب القهوة والشاي كما لو كان يبادل أعماراً فائتة… ؛  كانت الملاعق تدور في الفناجين، فتُحدث دوائر صغيرة تشبه أفلاكاً مصغّرة، بينما الوقت نفسه يتباطأ، كأنه يتأملهم من بعيد…

وفجأة، انشقّ المشهد… ؛  لمح عباس، من خلف زجاج المقهى، ظلاً يعرفه حدّ الألم والغبن … ؛  ركّز بصره خلسة، فإذا بالوجه ذاته يطلّ عليه من ذاكرة الإسفلت: ملامح إسمنتية قاسية، وطَلّة شيطانية لا تخطئها العين… ؛  همس لصاحبيه: «إنه هو»… ؛  لم يحتج الهمس إلى شرح ؛ فبعض الأسماء لا تُقال، بل تُستحضر…

نهضوا جميعاً، لا للاختفاء فقط، بل ليراقبوا العالم وهو يعيد تمثيل مسرحيته القديمة… ؛  لم يكن الغريم وحيداً؛ كان معه ابنه البكر، يتذوّق المعجّنات في محل قريب، كأن البراءة نفسها تُؤكل بالسكّر… ؛  تابعوهما بنظراتٍ حذرة، ورأوا الأب والابن يختاران أصناف المعجنات كما تُختار الأقنعة، ثم توجّها إلى سيارة تحمل رقماً حكومياً؛ رقمٌ بدا لعباس كختمٍ على جريمة مؤجّلة… ؛  تذكّر، بلا جهد، ولع غريمه بنهب المال العام، كأن خزائن الدولة كانت حلوى أخرى تُلتهم بلا حساب…

انطلقت السيارة، وانطلقت خلفها سيارة عباس الحديثة، ثلاثتهم فيها كفكرة واحدة ذات ثلاثة أصوات… ؛  كانت سيارة الغريم تسير متعرّجة، تغيّر مسارها بين حين وآخر، تختفي ثم تعود، مثل كذبةٍ ماهرة… ؛  وبحكم خبرتهم الأمنية السابقة، كانوا يعثرون عليها سريعاً، كما يُعثر على الحقيقة بعد طول مراوغة… ؛ وقد تسلّل الشك إلى عباس: «لقد عرف أننا نتبعه»… ؛  لكن صاحبيه هدّآه؛ قالا : إن السير طبيعي، وإن الهواجس أحياناً تخلق أعداءً من الظلال…

بعد اللتيا والتي، انكشف العنوان… ؛ بيت الغريم وقف هناك، صامتاً، كأن الجدران تحفظ أسراراً أكثر مما تحتمل… ؛  عند تلك العتبة، بدأت مرحلة أخرى: التخطيط، الاحتمال، والأسئلة الثقيلة… ؛  رسموا سيناريوهاتٍ استباقية، تخيّلوا ضربةً قاضية لا تُريق دماً، بل تُسقط قناعاً… ؛  غير أن القدر، ذلك المخرج الساخر، لم يمنحهم مهلة ( بروفة) .

على الطريق السريع، جاءت شاحنة مسرعة، بلا اسم ولا وجه، كأنها فكرة طائشة انفلتت من رأس الزمن… ؛ و ارتطمت بسيارة عباس، لا ليكون الاصطدام نهايةً فحسب، بل ليكون سؤالاً مفتوحاً… ؛  في لحظةٍ واحدة، صمتت الأصوات الثلاثة، وبقي الغريم حيّاً طليقاً، كما لو أن العدالة نفسها أخطأت المخرج…

بعد الحادث، ظلّ الإسفلت مرآةً كبيرة تعكس ما لا نريد رؤيته: أن الشرّ لا ينتصر لأنه قوي، بل لأن الصدفة كثيراً ما تصطفّ إلى جانبه… ؛ وأن بعض المطاردات لا تنتهي بإمساك الهدف، بل بانكشاف معنى أعمق: نحن نلاحق أشباحنا بقدر ما نلاحق أعداءنا، وحين نعتقد أننا نكتب النهاية، يكون القدر قد طوى الصفحة وبدأ قصةً أخرى مغايرة…!!