قوة بدون عقيدة يعني هروب (ح 7): (كم فئة قليلة غلبت فئة كثيرة)‎

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الميسر: قوله تعالى “فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ” (البقرة 249) بِجَالُوتَ: بِ حرف جر، جَالُوتَ اسم علم، فلما خرج طالوت بجنوده لقتال العمالقة قال لهم: إن الله ممتحنكم على الصبر بنهر أمامكم تعبرونه، ليتميَّز المؤمن من المنافق، فمن شرب منكم من ماء النهر فليس مني، ولا يصلح للجهاد معي، ومن لم يذق الماء فإنه مني، لأنه مطيع لأمري وصالح للجهاد، إلا مَن ترخَّص واغترف غُرْفة واحدة بيده فلا لوم عليه. فلما وصلوا إلى النهر انكبوا على الماء، وأفرطوا في الشرب منه، إلا عددًا قليلا منهم صبروا على العطش والحر، واكتفوا بغُرْفة اليد، وحينئذ تخلف العصاة. ولما عبر طالوت النهر هو والقلة المؤمنة معه -وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا لملاقاة العدو، ورأوا كثرة عدوهم وعدَّتهم، قالوا: لا قدرة لنا اليوم بجالوت وجنوده الأشداء، فأجاب الذين يوقنون بلقاء الله، يُذَكِّرون إخوانهم بالله وقدرته قائلين: كم من جماعة قليلة مؤمنة صابرة، غلبت بإذن الله وأمره جماعة كثيرة كافرة باغية. والله مع الصابرين بتوفيقه ونصره، وحسن مثوبته.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ” (البقرة 249) ويتّضح في هذه الموارد الامتحان الكبير الذي تعرّض له بنو إسرائيل وهو المقاومة الشديدة للعطش، وكان هذا الامتحان ضروريّاً لجيش طالوت وخاصّة مع السّوابق السيّئة لهذا الجيش في بعض الحروب السابقة، لأنّ الإنتصار يتوقّف على مقدار الانضباط وقدرة الإيمان والإستقامة في مقابل الأعداء والطّاعة لأوامر القيادة. وطالوت الذي كان يتّجه بجنوده للجهاد، كان لابدّ له أن يعلم إلى أيّ مدى يمكن الإعتماد على طاعة هؤلاء الجنود، وعلى الأخصّ أُولئك الذين ارتضوه واستسلموا له على مضض متردّدين، ولكنّهم في الباطن كانت تراودهم الشكوك بالنسبة لإمرته، لذلك يؤمر طالوت أمراً إلهيّاً باختبارهم، فيخبرهم أنّهم سوف يصلون عمّا قريب إلى نهر، فعليهم أن يقاوموا عطشهم، وألاَّ يشربوا إلاَّ قليلاً، وبذلك يستطيع أن يعرف إن كان هؤلاء الذين يريدون أن يواجهوا سيوف الأعداء البتّارة يتحمّلون سويعات من العطش أم لا. وشرب الأكثرية كما قلنا في سرد الحكاية، وكما جاء بايجاز في الآية. وهكذا جرت التصفية الثانية في جيش طالوت. وكانت التصفية الأُولى عندما نادى المنادي للاستعداد للحرب وطلب الجميع بالاشتراك في الجهاد إلاَّ الذين كانت لهم التزامات تجارية أو عمرانية أو نظائرها.

جاء في كتاب الإمام علي عليه السلام سيرة وتأريخ للسيد اسلام الموسوي عن معركة الخندق: قال جابر: (فما شبهت قتل عليٍّ عمراً الا بما قصَّ الله تعالى من قصة داود وجالوت، حيث قال: “فَهَزَمُوهُم بِإذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوت” (البقرة 251). نعم لقد قلبت ضربة عليٍّ عليه‌ السلام لعمرو الوضع تماماً، بعدما كان النصر حليف قريش بقوَّتها الجبَّارة، وصدق سبحانه حيث قال: “وكَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً” (البقرة 249). بسيف عليٍّ عليه‌ السلام كان النصر حليف المسلمين وهنا يسكت القلم، ولا يدري ماذا يكتب عن شجاعة ابن أبي طالب عليه‌ السلام فقد كفى الله المؤمنين القتال به عليه‌ السلام.

جاء في موقع الألوكة الشرعية عن العقيدة وأثرها في صياغة الشخصية المسلمة للكاتب محمد جلال القصاص: العقيدة. ومقاييس أخرى للنصر والهزيمة: ويزيد من هذه الفرضية أن النصر، والهزيمة، وطبيعة المعركة من حيث أطرافها لها تصوُّر خاص في الشريعة الإسلامية، فالشريعة تتكلم على حضور الملائكة القتال، تثبِّت الذين آمنوا، وتلقي الرعب في قلوب الذين كفروا، قال الله تعالى: ” إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ” (الأنفال:12)، وحضور الملائكة الكرام متوقِّف على تقوى الله، لا على عدد المسلمين وعتادهم، ولا على كونهم منتسبين للإسلام فقط، يقول الله تعالى:” بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ” (آل عمران 125). وفي التصور الإسلامي عن النصر والهزيمة نجد أن العدد ليس من الأهمية بمكان، قال تعالى: “كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ” (البقرة 249)، ونجد أيضًا أننا سِتار لقدر الله سبحانه وتعالى فالله يُنفذ مِن خلال عباده قدَرَه، ويُظهر آثارَ صفاته، فما علينا إلا أن نأخذ بالأسباب المتاحة للنصر، والله ينصر من ينصره. وفي الشريعة الإسلامية: الهزيمة سببها الذنوب، ومنها: التقصير في الأخذ بالأسباب المتاحة، كما أمر الله، قال الله تعالى: “أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (آل عمران 165)، وقال سبحانه:” وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ” (آل عمران 152). والشاهد: أن هذه معارف يكتسبها أحدُنا بقراءتها فقط إن صدَّق المخبِرَ بها أما أن تستيقن منها، وتصطبغ بها، وتتعامل من خلالها فهذا لا تناله في يوم وليلة، فالشهوات والشبهات تتصارع مع خطاب الوحي، ولا يستقر الإيمان في القلب إلا بعدَ حينٍ، وبين حين وآخر يجد من يناوشه، ويريد زحزحته، فإن لم ينتبه، تزحزح.