بقلم : خالد الغريباوي
ما جرى بعد الانسحاب الأميركي من قاعدة عين الأسد لا يمكن قراءته كتراجع أو فراغ، بل كتحول مدروس في نمط إدارة النفوذ، جاء متزامناً مع إعادة تشكيل شرق سوريا بوصفه فضاء توتر وظيفي قابل لإعادة التدوير إقليمياً، الولايات المتحدة لم تنسحب من المعادلة بل غيّرت أدواتها منتقلة من الوجود العسكري المباشر إلى إدارة الصراع عبر الجغرافيا الرمادية، حيث تُخلق فراغات محسوبة، وتُدار الموارد، وتُضبط الفواعل بما يضمن استمرار التأثير بأقل كلفة وأعلى قابلية للمناورة، إبقاء عقد الطاقة الكبرى، وفي مقدمتها حقل العمر والحقول الاخرى، خارج أي سيطرة حاسمة لا يعكس حرصاً اقتصادياً بقدر ما يعبّر عن استخدام هذه العقد كأدوات توازن سياسي تمنع الحسم وتُبقي الصراع في حالته الوظيفية.
في هذا الإطار تُظهر واشنطن مرونة محسوبة في التعاطي مع الوقائع الميدانية، مرونة لا تعني قبولاً سياسياً ولا شراكة مستدامة، بل إدارة دقيقة لميزان القوة والفراغ في آن واحد ، الفواعل المحلية تُمنح هوامش حركة محددة بقدر ما تؤدي وظيفة ضبط الإيقاع ومنع الانهيار الشامل، لا بقدر ما تقترب من بناء سلطة أو تغيير بنية النفوذ، هذا النمط يعكس تفضيلاً أميركياً للاستقرار الوظيفي على التسويات النهائية، مع إبقاء القرار الاستراتيجي خارج متناول اللاعبين المحليين مهما توسعت رقعة نفوذهم.
هذا الأسلوب لا ينفصل عن تفاهمات إقليمية صامتة تشكلت عند تقاطع المصالح بين الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا، تفاهمات لا تُعلن لكنها تُقرأ في انتظام حدود التصعيد وتوقيتاته،، شرق سوريا في هذا السياق ليس ساحة صراع مستقلة بقدر ما هو أداة ضغط متعددة الاتجاهات، تُستخدم لإعادة ضبط التوازنات ومنع تموضع أي نفوذ إقليمي خارج الأطر المرغوبة. إسرائيل تتحرك بمنطق التحصين غير المباشر، وتركيا تدير هواجسها الأمنية ضمن سقوف مضبوطة، فيما تمسك واشنطن بخيوط المشهد العام، مكتفية بإدارة التوازن من الخلف ومن دون ضجيج.
ضمن هذه المعادلة، لا يمكن فصل ما يجري في شرق سوريا عن إعادة تنظيم بيئة النفوذ في العراق، الضغط لا يُمارس بالضرورة عبر المواجهة المباشرة، بل عبر محاصرة الأدوار، وإعادة تعريف الهوامش، واستخدام الحدود والملفات الأمنية بوصفها أدوات ضبط سياسي ،أي اختلال في التوازن داخل العراق، أو توسع غير منضبط لقوى محلية مرتبطة بمحاور إقليمية، يتحول تلقائياً إلى جزء من معادلة الضغط الأشمل، لا كهدف معلن، بل كمتغير يُعاد توظيفه عند الحاجة.
العراق وإقليم كردستان يقفان هنا أمام اختبار دقيق،، الخطر لا يتمثل في ضربة مفاجئة، بل في تآكل تدريجي ناتج عن ضغوط حدودية مستمرة، وذرائع أمنية مرنة، وفراغات تُستثمر لإعادة ترتيب النفوذ ،أي ارتداد للفوضى السورية إلى الداخل العراقي سيُقدَّم تحت عناوين جاهزة، من مكافحة الإرهاب إلى منع التسلل، ما لم يُدار الملف سياسياً قبل أن يتحول إلى ساحة تصفية حسابات غير مباشرة.
الاستجابة العقلانية لا تكون بالتصعيد ولا بإنكار الواقع، بل بإعادة تعريف الدور الوطني، تثبيت قواعد اشتباك سياسية واضحة، وضبط العلاقة مع الوجود الأميركي ضمن التزامات محددة، ومنع استخدام الأراضي العراقية أو أراضي إقليم كردستان كساحات ضغط متبادل، هي شروط الحفاظ على السيادة ،،في الوقت ذاته، الانتقال مع تركيا من إدارة أزمة إلى إدارة تفاهم يمنع التوغل المفتوح ويغلق الذرائع قبل أن تتحول إلى وقائع مفروضة.
منع عودة داعش أو تشكّل مجموعات مسلحة جديدة لا يتحقق بالانتشار العسكري وحده، بل بتجفيف بيئة الفوضى السياسية والأمنية، ضبط الحدود كملف سيادي مشترك بين بغداد وأربيل، تعزيز العمل الاستخباري، وتوحيد القرار الأمني بعيداً عن ازدواج الأدوار، هي عناصر الردع الفعلي، إقليم كردستان، بعلاقاته وقدرته على التواصل، يمكن أن يكون عنصر توازن داخل معادلة وطنية موحدة، لا حلقة ضغط إضافية.
الخلاصة أن ما بعد عين الأسد هو مرحلة إدارة توتر لا انسحاب، وأن شرق سوريا سيبقى منصة ضغط إقليمي ما دامت وظيفته السياسية قائمة، العراق وإقليم كردستان إذا أحسنا قراءة هذه المرحلة ودخلاها كفاعلين في ضبط الإيقاع لا كمستجيبين للضغط، يمكنهما تحييد الخطر ومنع تحوله إلى أزمة داخلية، أما ترك المعادلة تُدار من الخارج، فسيجعل الداخل ساحة اختبار لتوازنات لا تُصاغ فيه بل تُفرض عليه. في هذه اللحظة الرمادية، السيادة تُصان بالسياسة الهادئة لا بالشعارات، وبالقرار المبكر لا بردّ الفعل المتأخر.