إيهاب مقبل
في ظل التطورات الميدانية المتسارعة في سوريا، ولا سيما الخسائر التي مُنيت بها القوى المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في مناطق مثل الرقة والطبقة ومحيطهما، يبرز احتمال انتقال أو فرار بعض عناصر الحزب إلى الأراضي العراقية بوصفه سيناريو يستحق التوقف عنده بجدية. هذا الاحتمال لا ينطلق من فراغ، إذ إن التنظيمات المسلحة العابرة للحدود غالبًا ما تلجأ إلى إعادة التموضع كلما اشتد الضغط العسكري عليها، بحثًا عن بيئات أقل كلفة وأكثر قابلية للحركة.
الخطر الذي قد يشكله حزب العمال الكردستاني على العراق في هذا السياق لا يمكن تصنيفه كخطر وجودي مباشر على الدولة، لكنه يبقى خطرًا حقيقيًا من نوع مختلف، يتمثل في تهديد الاستقرار والسيادة وإقحام العراق في صراعات إقليمية لا مصلحة له فيها. فوجود تنظيم مسلح غير عراقي يعمل خارج سلطة الدولة في شمال العراق يعني عمليًا تحويل بعض المناطق، ولا سيما في شمال وغرب نينوى، إلى ساحات صراع مفتوحة، ويمنح أطرافًا خارجية ذرائع للتدخل العسكري داخل الأراضي العراقية، الأمر الذي يضعف موقع بغداد سياسيًا ويقوض هيبتها الأمنية.
في حال حدوث انتقال من سوريا إلى العراق، فإن المناطق الحدودية، وخاصة قضاء سنجار، ستكون الأكثر عرضة للتأثر، بحكم القرب الجغرافي والتداخل الاجتماعي والطبيعة الجبلية التي يفضلها الحزب تاريخيًا. وجود الحزب في هذه المناطق من شأنه أن يعرقل جهود الاستقرار وإعادة الإعمار، ويؤخر عودة النازحين، ويُبقي المنطقة في حالة توتر دائم، فضلًا عن تعريضها لضربات خارجية متكررة. وهنا تكمن خطورة الحزب على العراق: ليس في قدرته على السيطرة على مدن كبرى، بل في قدرته على إدامة الفوضى وخلق مناطق رخوة أمنيًا تستنزف الدولة على المدى الطويل.
بعد الخسائر التي مُني بها الحزب في سوريا، قد يسعى أيضًا إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة محدودة وغير مباشرة داخل العراق، مثل تهريب الوقود أو البضائع عبر الحدود، فرض إتاوات على سكان مناطق نفوذه، أو الاعتماد على شبكات دعم خارجي غير رسمية. هذه النشاطات تكون عادة صغيرة الحجم وغير علنية، لكنها مؤذية للمجتمعات المحلية وتُسهم في تقويض سلطة الدولة. هذا النمط من السلوك سبق أن مارسه الحزب في تركيا، من خلال البلطجة وفرض “ضرائب ثورية” على التجار والسكان المدنيين، واستغلال المناطق الحدودية الضعيفة لمهام تهريب وتمويل نشاطه المسلح، وهو ما أدى إلى خلق مناخ خوف وضغط اقتصادي واجتماعي على المدنيين.
على الحكومة العراقية أن تأخذ قضية وجود الحزب في جبال قنديل على محمل الجد، إذ تمثل القاعدة الرئيسية التي ينطلق منها الحزب في عمليات إقليمية. فوجوده هناك لا يهدد فقط الأمن القومي التركي، الذي يتعرض له عبر عمليات الحزب المتكررة، بل يمتد تأثيره إلى دعم حزب الحياة الكردستاني، ما يشكل تهديدًا للأمن القومي الإيراني، ويدعم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال سوريا، ما يجعل دمشق معرضة للتهديد والإرباك الأمني. لذلك، من غير المستبعد أن يتحول وجود الحزب في العراق إلى تهديد للأمن القومي العراقي نفسه، لا سيما في المناطق الحدودية والريفية، ويمكن أن يُستغل لخلق توترات مع دول الجوار أو كأداة ضغط على بغداد في ملفات إقليمية معقدة.
في مواجهة هذا الاحتمال، لا تبدو المواجهة العسكرية المباشرة خيارًا حكيمًا للعراق، إذ إن أي صدام مفتوح قد يؤدي إلى تعقيد المشهد الداخلي، ويمنح الحزب فرصة لتقديم نفسه بوصفه طرفًا مستهدفًا سياسيًا، كما قد يفتح الباب أمام توترات داخلية، لا سيما في المناطق ذات الحساسية القومية. لذلك، فإن المقاربة الأكثر واقعية تكمن في التحجيم والاحتواء بدل الصدام، مع التركيز على سد الثغرات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي قد يستغلها الحزب.
ينبغي على الحكومة العراقية تشديد السيطرة على الحدود مع سوريا، وتعزيز انتشار قوات حرس الحدود، واستخدام وسائل المراقبة الحديثة لمنع أي تسلل محتمل لعناصر مسلحة، وإغلاق المنافذ غير الشرعية، بما يجعل العراق خيارًا أقل جاذبية لإعادة التموضع أو التمويل. وفي الوقت نفسه، يجب فرض حضور الدولة الكامل في المناطق الحساسة، ولا سيما سنجار، من خلال قوات اتحادية نظامية، وإنهاء أي تعدد أمني أو فصائلي، مع معالجة جذور الهشاشة المحلية عبر إعادة النازحين، وتوفير الخدمات، وبناء إدارة محلية مستقرة تشارك فيها القوى الاجتماعية من أبناء المنطقة، ما يسحب البيئة الرمادية التي تعتمد عليها التنظيمات المسلحة.
كذلك، لا يمكن فصل هذا الملف عن ضرورة التنسيق الجاد مع حكومة إقليم كردستان، لضمان موقف عراقي موحد يمنع الحزب من استغلال أي انقسام داخلي، مع وضوح الرسالة الأمنية والسياسية أن أمن العراق أولًا. وعلى الصعيد الإقليمي، يبقى تحييد العامل التركي والإيراني والسوري دبلوماسيًا أمرًا بالغ الأهمية، عبر تفاهمات تقلل من الذرائع التي تُستخدم لتبرير التدخل العسكري، مع التأكيد على التزام العراق بعدم السماح باستخدام أراضيه أو مجتمعاته كمنصة تهديد لأي دولة مجاورة.
في المحصلة، فإن خطر حزب العمال الكردستاني على العراق، في حال انتقاله من سوريا، هو خطر يمكن احتواؤه وتفاديه إذا ما أُدير بعقلانية سياسية وأمنية واقتصادية ودبلوماسية. العراق لا يحتاج إلى معركة جديدة، بل إلى حضور دولة قوي، حدود مضبوطة، اقتصاد محلي محمي، وسياسة هادئة تمنع تحوّل أراضيه وسكانه إلى أدوات في صراعات الآخرين.
انتهى