ما تبقى بين الأصابع

رياض سعد

كان اللقاء الأول أشبه بحبة رمل دخلت العين عن غير قصد… ؛  لم يخطط أحدٌ منهم لهذا التشابك الغريب… ؛  سالم، بابتسامته الواسعة التي تخفي فراغاً أشبه ببئر مُغلق، جمع بين عليّ ذي النظرة الحادة التي تبحث عن خطيئة تعكس خطيئتها الخاصة، ومحمد الحامل بين ضلوعه طَيْف رجلٍ آخر كان يُريد أن يكونه… ؛  التقوا، فصاروا ثلاثة ظلال تطول وتقصر تحت أضواء خافتة في غُرف لا تذكر وجوه من يمر فيها.

نعم , تَصَادَفَتْ أَرْجُلُهُمْ عَلَى طَرِيقٍ وَعِرٍّ، وَسَطَ ضَبَابِ المَدِينَةِ، حَيْثُ جَمَعَتْهُمْ أَصَابِعُ الصُّدْفَةِ الْغَادِرَةِ… ؛  كَانَ سَالِمٌ – ذَلِكَ المَوْظَّفُ الَّذِي تَآكَلَتْ ضَمِائِرُ يَدَيْهِ بِحَبَّاتِ الذَّهَبِ السَّامَّةِ – هُوَ الْخَيطَ الْوَاهِيَ الَّذِي نَسَجَ عَلَى جِسْرِهِ لُغْزَ اللِّقَاءِ بَيْنَ عَلِيٍّ، الشُّرْطِيِّ الْحَانِقِ عَلَى نَفْسِهِ، وَمُحَمَّدٍ، رَجُلِ الأَعْمَالِ الَّذِي تَخْتَبِئُ الرِّيَاحُ فِي جُيُوبِ مِعْطَفِهِ الْبَاهِي… ؛  اِلْتَقَوْا عَلَى مَوَائِدَ لَحْمُهَا دُهْنِيٌّ وَخَمْرُهَا كَدَرٌ، وَتَحْتَ سُقُوفِ شُقَقٍ حَمْرَاءَ تَبْكِي عَلَى عَوْرَاتِهَا… ؛  حَتَّى أَنَّهُمْ، فِي لَيَالِي السُّكْرِ الْبَلْهَاءِ، تَشَابَكَتْ أَجْسَادُهُمْ فِي رَقْصَةٍ بَهَيْمِيَّةٍ عَبَثِيَّةٍ، كَالْحَوَّامِ الَّتِي تَلْتَهِمُ بَعْضَهَا فِي أَعْمَاقٍ مُظْلِمَةٍ.

لم يكن ما جمعهم صداقة، بل فراغا مشتركا... ؛ والفراغ، حين يطول، يخلق أوهاما تشبه المعنى.

سالم كان يؤمن، في قرارة نفسه، أن العالم صفقة خاسرة، وأن النجاة لا تكون إلا بالتحايل… ؛  كان يرى البشر أرقاما مؤقتة، والضمير ترفا لا يليق بمن يريد البقاء… ؛  لم يكن شريرا بالمعنى التقليدي، بل كان فارغا، والفراغ أشد فتكًا من الشر.

أما علي، فقد عاش عمره كله وهو يبني صورة لنفسه، صورة رجل مستقيم، منضبط، يمكن الوثوق به… ؛  لكنه لم ينتبه إلى أن الصورة، حين تطول، تتحول إلى قيد… ؛  كان يخشى أن يرى الآخرون ما يراه هو في داخله: رغبة دفينة في السيطرة، في الامتلاك، في أن يكون مركز الدائرة لا طرفها.

محمد لم يكن أفضل منهما، لكنه كان أكثر وعيا… ؛ كان يدرك أن الإنسان كائن مزدوج: وجه للعلن، وآخر للظل. غير أنه أخطأ حين ظنّ أن المعرفة وحدها تحمي… ؛  فالفهم لا يمنع السقوط، بل يجعله أكثر إيلاما.

نعم ؛ هم لم يلتقوا لأنهم متشابهون، بل لأن الصدفة تحب أن تجمع المتناقضات كما تجمع النار بالماء، علّها تراقب أيّهما سينطفئ أولا.

في البدء، بدوا كأنهم ثلاثة كؤوس على طاولة واحدة، تختلف سوائلها لكنّها تتجاور… ؛  ضحك، سهر، أحاديث تتكسر على حواف الليل، وموائد عامرة بما لذّ وطاب، بينما كانت القيم تُترك عند الباب مثل معاطف قديمة.

غير أن القرب يكشف ما لا تكشفه المرايا... ؛ فالموظف المرتشي سالم، حين يغيب عقله، كان يظهر وجهه الآخر، وجها خشنا يدهس الضعفاء، ويبرر فوضاه بأنها سُكر، وكأن الغياب المؤقت للوعي يمنح رخصة لانتهاك كل شيء...!!

وعلي، الذي بدا في البداية نقيّا، كان يخفي في داخله رغبة صامتة في الامتلاك، لا المشاركة، وفي السيطرة لا الرفقة , وفي الانانية لا في الايثار …

مال محمد إلى علي، لا لأنه أفضل، بل لأنه كان أكثر براعة في إخفاء عيوبه… ؛  غير أن الأنانية لا تصبر طويلا؛ اذ بدأت تتسرّب من تصرفات صغيرة، من نظرات تحكم، ومن أوامر غير منطوقة، حتى صار الكرم مشروطا، والصداقة انتقائية، والآخرون مجرّد أدوات في مسرح الذات بالنسبة لعلي …

جلسوا معا طويلا، يتبادلون الضحك، بينما كانت الأسئلة الكبرى تُؤجَّل:

من نحن حين لا يرانا أحد؟

وهل الأخلاق اختيار أم خوف مقنّع؟

بمرور الوقت، بدأت التشققات تظهر...

سالم صار أكثر فجاجة، كأنه يتحدّى العالم أن يوقفه...

وعلي صار أكثر تضييقا، كأنه يخشى أن يفقد ما يظنه ملكا له...

ومحمد، العالق بينهما، بدأ يشعر بأن وجوده نفسه مهدد، لا جسديا، بل معنويا...

في لحظة ما، أدرك محمد حقيقة موجعة :أن أسوأ أنواع العلاقات هي تلك التي تُبنى على إنكار الذات... ؛ وأن الصمت الطويل ليس حكمة دائما، بل تواطؤ مؤجل.

وَلَكِنَّ الْقَلْبَيْنِ – قَلْبَ عَلِيٍّ وَقَلْبَ مُحَمَّدٍ – انْجَذَبَا فِي سِرِّيَّةٍ خَارِجَ إِطَارِ ذَلِكَ الْمُرْجُ الْفَاسِدِ… ؛ كأن شيئاً غريباً نبت بينهما ، كزهرة سامة تنمو في صدع حائط … ؛ و أَدْرَكَا أَنَّ سَالِمًا بَحَرٌ آسِنٌ، يَقْذِفُ إِلَى شَوَاطِئِهِ بِجِيَفِ الْفُضُولِ وَالْعُنْفِ… ؛ و هَاهُوَ يَنْهَبُ حَقَائِبَ نِسَاءٍ مُهَشَّمَاتٍ، وَهَاهُوَ يُلْقِي بِنَفْسِهِ عَلَى جَسَدِ زَيْدٍ الْمُرَاهِقِ الْكَاسِرِ، مُلْبِسًا اغْتِصَابَهُ ثَوْبَ السُّكْرِ وَالتَّبَرِيرِ الْعَفِنِ… ؛  فَارْتَدَّتْ نُفُوسُهُمَا – رُغْمَ أَنْفُسِهِمَا – عَنْ ذَلِكَ الْوَحْلِ، لِتَتَآخَى فِي هَوَامِشِ نَقَائِهَا الْمُزَيَّفِ… .  

 وجدا في صمت أحدهما إجابةً لصمت الآخر… ؛  وبدأت نظراتهما تتحاشى سالم حين يُحول السكرُ روحَه إلى وحشٍ صارخ. ذات ليلة، بينما كان سالم يُغني بصوتٍ مبحوح، نظر علي إلى محمد وقال بلهجة لم يسمعها منه أحد من قبل: “ألا يُخيفك أننا نغرق معاً؟”… ؛  لم يجب محمد، لكن عينيه قالت: نعم.

وتحوّل الاثنان إلى جُزر منعزلة في محيط سالم العاتي… ؛  في شقة علي البسيطة، حيث صورة لوالدته المتوفاة تُراقبهم من الإطار، كانا يشربان كأس الخمر كما لو كانا يتناولان دواءً للألم… ؛  كان محمد يأتي بفتياتٍ من عالمٍ آخر، يتركن معهما رائحةَ أحلامٍ رخيصة… ؛  وكان عليّ يُعامل كلّ واحدةٍ منهنّ بتلك اللّطافة الحزينة، وكأنه يُريد أن يَطلب الصفحة عن شيءٍ لم تفعلْه.

كَانَ عَلِيٌّ يُقَدِّمُ الطَّعَامَ وَالْخَمْرَ، مُقَابِلَ أَنْ يُمَنِّحَهُ مُحَمَّدٌ فَتَاةً تَأْتِي كَالْهَوَاءِ الْعَبِثِيِّ، تُلْبِسُ جَسَدَهَا لِلرِّجَالِ ثَوْبَ رِضًا مُؤَقَّتًا… ؛  وَلَكِنْ تَحْتَ جِلْدِ هَذِهِ الصَّدَاقَةِ الْجَدِيدَةِ، كَمَنْتْ حَيَّةُ الشَّكِّ… ؛  فَعَلِيٌّ – ذَا الْأَصْلِ الْمُحَافِظِ والمتهم بالخبث واللؤم كما هو شائع عرفا – بَدَأَ يَكْشِفُ عَنْ أَنَابِيبِ نَفْسِهِ الْخَفِيَّةِ… ؛  كَانَ يَنْهَرُ الْفَتَاةَ إِذَا مَا أَبْدَتْ لِمُحَمَّدٍ إِشَارَةَ إِعْجَابٍ، مُحَوِّلًا لَذَّةَ الصَّدِيقِ إِلَى مِلْحٍ فِي جُرْحِهِ… ؛  وَسَرْعَانَ مَا أَصْبَحَتْ هَذِهِ الْحَرَكَةُ نَغْمَةً مُتَكَرِّرَةً فِي سِيمْفُونِيَةِ حَقْدٍ خَفِيٍّ… ؛  فَأَدَارَ مُحَمَّدٌ رَأْسَهُ، وَكَتَمَ السُّمَّ فِي قَلْبِهِ، كَمَنْ يُخَبِّئُ جَمْجُمَةً تَحْتَ الْوَسَادَةِ...!!

ثم جاءت الرحلة إلى بيروت… ؛ وسافروا اليها سالم بمعية علي , ومحمد مع صديقه الملتزم دينيا جاسم … ؛  هناك، تحت سماء مختلفة، حاول محمد أن يلعب دوره كاملاً: الرجل المحترم بين أصدقائه… ؛  لكن علي كان يطلق النكات الثقيلة، كحجارةٍ في بركة هادئة، مُحدثاً دوائر من الريبة في عيون جاسم المُلتزم… ؛  في تلك اللحظة، رأى محمد انعكاس صورته في عيني جاسم: رجل ضائع، يرافق ظلالاً من الشر … ؛  وشعر بخجلٍ عميق، كطفلٍ يُقبَض عليه وهو يسرق كرامةً لا مالاً.

نعم , حين سافروا، ظنّوا أن المسافات تمحو الأقنعة، لكن الغربة تفعل العكس؛ تكثّفها… ؛  هناك، حيث كانت القيم تُختبر لا تُعلن، سقط علي في فخ لسانه، وبدا سالم كما هو، بينما وقف محمد في المنتصف، يدرك فجأة أنه كان يجلس طويلا على حافة هاوية أخلاقية.

وبعد العودة، جفّت تلك الجُزيرة الصغيرة من “الصداقة”… ؛ وكشر علي عن انيابه و صار باب الشقة يُغلق، والهاتف يصمت… ؛  حتى سحر صديقة محمد ، تلك الفتاة التي كانت تظهر وتختفي كرائحة زهر في زقاق مظلم، تبخرت من حياته… ؛  وعندما التقاها صدفةً في السوق، بين أكوام الخضار وأصوات الباعة، همست له بالحقيقة: “كان علي يخاف أن تُحبني.. وكان يكره فيك ما يكرهه في نفسه”.

نعم , انهم عادوا، لكنهم لم يعودوا كما كانوا... ؛ اذ انقلب القرب إلى نفور، والودّ إلى ضغينة. علي، الذي شعر بانكشافه، تحوّل إلى خصم صامت، يقطع الخيوط واحدة تلو الأخرى، ويحرّك الآخرين من خلف الستار.

وفي النهاية، صار كلٌ منهم وحيداً بطريقته الخاصة… ؛  سالم وراء القضبان، يحمل سجنه في عينيه قبل أن يحمله في جسده… ؛ و عليّ في فراش المرض، يُراقب سقف غرفته كما كان يُراقب سقف غرفته الحمراء ذات ليلة، لكن الضيف الآن هو الشبح الذي هرب منه طويلاً… ؛  ومحمد، يمشي في شوارع المدينة، يحمل في جيبه مفتاح شقة لم يعد يزورها، وفي قلبه ذلك السؤال الذي لن يجد له جواباً: متى بالضبط فقدنا الحق في أن نكون بشراً؟

وتبقى الذكريات كرمادٍ دافئٍ في يديه، يتطاير مع أول نسمة، ولا يتبقى بين الأصابع سوى ذلك الشعور الغامض بأن الحياة مرت من هنا، ولم يمسك أحدٌ منها إلا بما لا يستحق الإمساك.

وهكذا انتهت الحكاية: لا غالب فيها ولا مغلوب … ؛ فالأقنعة، مهما طال ارتداؤها، لا تمنع الوجه من التعفّن.