آيات قرآنية عن النفاق (يوم يقول المنافقون والمنافقات)

د. فاضل حسن شريف

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جل جلاله “يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ” ﴿الحديد 13﴾ قال الكلبي يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون قالوا انظرونا نقتبس من نوركم أي نستضيء بنوركم ونبصر الطريق فتتخلص من هذه الظلمات وقيل إنهم إذا خرجوا من قبورهم اختلطوا فيسعى المنافقون في نور المؤمنين فإذا ميزوا(2) بقوا في الظلمة فيستغيثون ويقولون هذا القول “قيل” أي فيقال للمنافقين “ارجعوا وراءكم” أي ارجعوا إلى المحشر حيث أعطينا النور “فالتمسوا نورا” فيرجعون فلا يجدون نورا عن ابن عباس وذلك أنه قال تغشى الجميع ظلمة شديدة ثم يقسم النور ويعطى المؤمن نورا ويترك الكافر والمنافق وقيل معنى قوله “ارجعوا وراءكم” ارجعوا إلى الدنيا إن أمكنكم فاطلبوا النور منها فإنا حملنا النور منها بالإيمان والطاعات وعند ذلك يقول المؤمنون “ربنا أتمم لنا نورنا” (التحريم 8). “فضرب بينهم بسور” ﴿الحديد 13﴾ أي ضرب بين المؤمنين والمنافقين سور والباء مزيدة لأن المعنى حيل بينهم وبينهم بسور وهو حائط بين الجنة والنار عن قتادة وقيل هو سور على الحقيقة “له باب” أي لذلك السور باب “باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله” ﴿الحديد 13﴾ أي من قبل ذلك الظاهر “العذاب” وهو النار وقيل باطنه أي باطن ذلك السور فيه الرحمة أي الجنة التي فيها المؤمنون وظاهره أي وخارج السور من قبله يأتيهم العذاب يعني أن المؤمنين يسبقونهم ويدخلون الجنة والمنافقون يجعلون في النار والعذاب وبينهم السور الذي ذكره الله.

عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل جلاله “يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ” ﴿الحديد 13﴾ النظر إذا تعدى بنفسه أفاد معنى الانتظار والإمهال، وإذا عدي بإلى نحو نظر إليه كان بمعنى إلقاء البصر نحو الشيء وإذا عدي بفي كان بمعنى التأمل، والاقتباس أخذ قبس من النار. والسياق يفيد أنهم اليوم في ظلمة أحاطت بهم سرادقها وقد ألجئوا إلى المسير نحو دارهم التي يخلدون فيها غير أن المؤمنين والمؤمنات يسيرون بنورهم الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم فيبصرون الطريق ويهتدون إلى مقاماتهم، وأما المنافقون والمنافقات فهم مغشيون بالظلمة لا يهتدون سبيلا وهم مع المؤمنين كما كانوا في الدنيا معهم ومعدودين منهم فيسبق المؤمنون والمؤمنات إلى الجنة ويتأخر عنهم المنافقون والمنافقات في ظلمة تغشاهم فيسألون المؤمنين والمؤمنات أن ينتظروهم حتى يلحقوا بهم ويأخذوا قبسا من نورهم ليستضيئوا به في طريقهم. وقوله: “قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا” القائل به إما الملائكة أو قوم من كمل المؤمنين كأصحاب الأعراف. وكيف كان فهومن الله وبإذنه، والخطاب بقوله: “ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا” قيل: إنه خطاب مبني على التهكم والاستهزاء كما كانوا يستهزءون في الدنيا بالمؤمنين، والأظهر على هذا أن يكون المراد بالوراء الدنيا، ومحصل المعنى: ارجعوا إلى الدنيا التي تركتموها وراء ظهوركم وعملتم فيها ما عملتم على النفاق، والتمسوا من تلك الأعمال نورا فإنما النور نور الأعمال أو الإيمان ولا إيمان لكم ولا عمل. ويمكن أن يجعل هذا وجها على حياله من غير معنى الاستهزاء بأن يكون قوله: “ارجعوا” أمرا بالرجوع إلى الدنيا واكتساب النور بالإيمان والعمل الصالح وليسوا براجعين ولا يستطيعون فيكون الأمر بالرجوع كالأمر بالسجود المذكور في قوله تعالى: ” يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ” (القلم 4243). وقيل: المراد ارجعوا إلى المكان الذي قسم فيه النور والتمسوا من هناك فيرجعون فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور، وهذا خدعة منه تعالى يخدعهم بها كما كانوا في الدنيا يخادعونه كما قال: “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ” (النساء 142).

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل جلاله “يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ” ﴿الحديد 13﴾ شاءت حكمته تعالى أن يرى المنافقون غدا نور المهتدين وهو يسعى بين أيديهم كي يزدادوا ألما على ألم، ثم يتضاعف الألم حين يستغيث المنافقون بالمؤمنين، ويسألونهم أن يسيروا على نورهم “قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً” ﴿الحديد 13﴾. هذا هو جواب استغاثتهم: ارجعوا إلى صاحبكم الشيطان، واقتبسوا منه نورا، فهو وراءكم اليوم كما كان وراءكم بالأمس. ان هذا النور لمن عمل في دنياه لآخرته، أما من اشترى الحياة الدنيا بالآخرة فما هو بخارج من الظلمات إلا إلى ما هو أشد. “فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ” ﴿الحديد 13﴾. ضمير بينهم يعود إلى المؤمنين والمنافقين، والمراد بالسور الحاجز، والمعنى ان اللَّه أنعم على المؤمنين بالجنة، وانتقم من المنافقين بعذاب النار، وبين الجنة والنار حاجز، له جانبان: باطن غير منظور، وهو يلي المؤمنين، وظاهر منظور وهو يلي المنافقين وغيرهم من المجرمين، والأول فيه الجنة، والثاني من جهته جهنم.

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل جلاله “يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ” ﴿الحديد 13﴾ أمّا المنافقون الذين سلكوا طريق الظلام والكفر والذنوب والمعصية، فإنّ صراخهم يعلوفي مثل تلك الساعة ويلتمسون من المؤمنين شيئاً من النور، لكنّهم يواجهون بالردّ والنفي. كما في قوله تعالى: “يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم” ﴿الحديد 13﴾. (إقتباس) في الأصل من مادّة (قبس) بمعنى أخذ شعلة من النار، ثمّ استعملت على أخذ نماذج اُخرى أيضاً. المقصود من جملة (انظرونا) هو أن انظروا لنا كي نستفيد من نور وجوهكم لنجد طريقنا، أو انظروا لنا نظر لطف ومحبّة واعطونا سهماً من نوركم، كما يحتمل أنّ المقصود هو أنّ (انظرونا) مشتقة من (الإنتظار) بمعنى أعطونا مهلة قليلة حتّى نصل إليكم وفي ظلّ نوركم نجد الطريق. وعلى كلّ حال يأتي الجواب على طلبهم بقوله تعالى: ” قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً” ﴿الحديد 13﴾. كان من الممكن أن تحصلوا على النور من الدنيا التي تركتموها وراءكم، وذلك بإيمانكم وأعمالكم الصالحة، إلاّ أنّ الوقت انتهى، وفاتت الفرصة عليكم ولا أمل هنا في حصولكم على النور. “فضرب بينهم بسور له باب” وهذا الباب أو هذا الجدار من نوع خاص وأمره فريد، حيث إنّ كلا من طرفيه مختلف عن الآخر تماماً، حيث: “باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب”. (السور) في اللغة هو الحائط الذي يحيط بالمدن كما كان في السابق للمحافظة عليها، وفيه نقاط مراقبة عديدة يستقرّ بها الحرّاس للمحافظة ورصد الأعداء تسمّى بالبرج والأبراج. والنقطة الجديرة بالملاحظة هنا حيث يقول تعالى: “باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب” حيث أنّ المؤمنين كسكّان المدينة داخل البستان، والمنافقين كالغرباء القسم الصحراوي، فهم في جوّين مختلفين وعالمين متفاوتين، ويحكي ذلك عن كون هؤلاء كانوا في مجتمع واحد جنباً إلى جنب ولكن يفصل بينهم حاجز عظيم من الإعتقادات والأعمال المختلفة، ففي يوم القيامة يتجسّد نفس المعنى أيضاً. ولماذا هذا (الباب)، ولأي الأهداف؟ للجواب على هذا التساؤل نقول: من الممكن أن يكون هذا الباب من أجل أن يرى المنافقون من خلاله نعم الجنّة ويتحسّرون عليها، أو أنّ من كان قليل التلوّث بالذنوب وقد نال جزاءه من العذاب بإمكانه أن يدخل منها ويكون مع المؤمنين في نعيمهم.