العراق بين إدارة الخطر وحماية السيادة..قراءة ستراتيجية في نقل معتقلي داعش

✍️ : خالد الغريباوي

قرار نقل سبعة آلاف من عناصر تنظيم داعش من شمال شرق سوريا إلى الأراضي العراقية لا يمكن قراءته كإجراء أمني تقني أو خطوة تعاون عابرة في مكافحة الإرهاب بل كملف دولة يتطلب إدارة ستراتيجية بحتة ،، المقاربة الرشيدة تبدأ من سؤال واحد كيف يمكن للعراق تقليل المخاطر وتعظيم المكاسب في بيئة إقليمية معقدة لا تسمح بخيارات صفرية من منظور ستراتيجي؟ لا تنظر الولايات المتحدة إلى داعش كتنظيم منتهٍ بل كخطر مُدار يمكن توظيفه لضبط الإيقاع الإقليمي ومنع تشكل فراغات أمنية غير محسوبة،،في هذه الرؤية يُستخدم النقل إلى العراق كوسيلة لإعادة توزيع عبء الاحتجاز من ساحة غير مستقرة قانونياً في شمال شرق سوريا إلى دولة ذات سيادة تتحمل المسؤولية القانونية والأمنية كاملة القرار يخفف عن واشنطن أعباء سياسية وأمنية طويلة الأمد ويضع الملف ضمن إطار دولة قائمة يمكن التفاوض معها وليس ضمن كيان غير معترف به دولياً

اختيار العراق تحديداً لم يكن عشوائياً ولا لأنه الأكثر قدرة على الاحتواء بل لأنه الحلقة الأنسب للاستخدام ، العراق ساحة ضغط لا ساحة مواجهة تسمح بخلق توتر منخفض الشدة دون انفجار شامل وهو عقدة الربط الإقليمي بين إيران وسوريا والخليج وتركيا ما يجعل أي خلل فيه مؤثراً على أكثر من مسار في آن واحد كما أن بيئته الداخلية متعددة الأطراف وقابلة للاختراق سياسياً وأمنياً ما يسمح بإعادة تدوير الخطر من دون تدخل خارجي مباشر وتحميل الكلفة كاملة للدولة العراقية ، بينما تحتفظ واشنطن بإدارة المشهد من الخلف ، الأهم أن نقل داعش يبقي بغداد داخل معادلة التوازن القسري ويمنع تثبيت أي قرار مستقل خارج السقف الأميركي

أحد أخطر أبعاد هذا القرار يتمثل في ما يمكن تسميته بإنتاج الضرورة الأميركية أي خلق بيئة تهديد مدارة تفضي لاحقاً إلى استنتاج سياسي واحد مفاده أن الوجود أو الدور الأميركي في العراق ضرورة لا خياراً ، داعش هنا لا يُراد له أن يعود كقوة مسيطرة ولا أن يُسحق نهائياً بل أن يبقى ضمن مستوى تهديد قابل للضبط بحيث يؤدي أي خلل أمني أو تسريب أو تصعيد محدود إلى استدعاء خطاب الحاجة إلى الدعم الأميركي سواء عبر التدريب أو الاستخبارات أو إعادة تعريف طبيعة الوجود العسكري ، هذه المقاربة تجعل البديل عن الدور الأميركي أكثر كلفة وأقل واقعية من دون فرض مباشر للوصاية وهو أخطر السيناريوهات التي يواجهها العراق إذا لم يُدار الملف بكفاءة عالية

ضمن هذا الإطار تتضح السيناريوهات الواقعية لإدارة الملف ، السيناريو الأول الاحتواء المؤسسي حيث تُدار عملية النقل ضمن إطار أمني وقانوني صارم يمنع أي تسرب ويحول الملف إلى مسألة سيادة داخلية مغلقة، السيناريو الثاني الاستنزاف منخفض الشدة حيث تحدث خروقات محدودة أو نشاطات خلايا نائمة تؤدي إلى إنهاك أمني واقتصادي دون انهيار شامل ،السيناريو الثالث التسييس الأمني حيث يُستثمر الملف داخلياً أو إقليمياً لإرباك المشهد السياسي وإعادة إنتاج عدم الاستقرار، السيناريو الرابع إنتاج الضرورة الأميركية حيث يُستثمر أي تدهور أمني لتبرير توسيع الدور الأميركي أو إعادة صياغة الوجود العسكري تحت عنوان مكافحة الإرهاب أي صناعة المشكلة ثم تقديم الحل الجاهز، السيناريو الخامس الاحتواء السيادي العراقي وهو الأضعف حظاً ولكنه الأمثل حيث تُدار العملية بقرار وطني كامل مع ضمانات قانونية وأمنية وعدم تحويل العراق إلى مخزن أزمات إقليمية

من منظور مصلحة العراق التعامل مع هذا الملف يتطلب أربع خطوات تثبيت السيطرة القانونية عبر إطار تشريعي وتنفيذي واضح لإدارة المعتقلين يمنع أي تسرب أو استخدام الملف كورقة ضغط خارجية ، تحصين القرار الأمني ومنع ازدواجية الصلاحيات أو تدخلات غير منسقة ، إدارة العلاقة مع واشنطن بمنطق المصالح المتبادلة لا بمنطق التبعية أو المواجهة أي التعاون الفني دون نقل الأزمات أو القبول بتحويل العراق إلى مخزن تهديدات ، دمج الملف ضمن سياسة إقليمية متوازنة تؤكد أن استقرار العراق عنصر استقرار إقليمي لا ساحة بديلة لصراعات الآخرين

الخلاصة نقل معتقلي داعش يمثل خطراً وفرصة في آن واحد ، الخطر يكمن في سوء الإدارة والانقسام ، والفرصة تكمن في تحويل الملف إلى اختبار لقدرة الدولة العراقية على إدارة تهديد معقد دون التفريط بسيادتها أو الانزلاق إلى صدامات غير محسوبة إدارة هذا الملف بذكاء قانونياً وأمنياً ودبلوماسياً هي وحدها القادرة عبر منع استدعاء سيناريو الضرورة الأميركية وضمان استقرار العراق على المدى المتوسط بعيداً عن أي هيمنة خارجية