أعيش في العراق… ولا أريد ان أعيش فيه
مجيد الكفائي
منذ ولادتي، قبل أكثر من نصف قرن، وحتى هذه اللحظة، لم أعش حياةً طبيعية تشبه حياة أي إنسان يفترض أن يولد في وطنٍ آمن.
لم أعرف الاستقرار يوماً، ولم أتذوق طعم الطمأنينة كما ينبغي. كانت حياتي، وحياة ملايين العراقيين، سلسلة متواصلة من الحروب والظلام والخوف، كأن القدر قرر أن يجعل من هذا البلد ساحةً دائمةً للألم.
عشنا الحروب واحدةً تلو الأخرى، حتى صار صوت الانفجار مألوفاً، وصار الفقد خبراً عادياً.
عشنا سنوات الظلام، بلا كهرباء، بلا ماء صالح للشرب، بلا خدمات تُشعر الإنسان بإنسانيته.
شربنا ماءً ملوثاً، وأكلنا ما توفر لا ما نريد، ووقفنا في طوابير طويلة من أجل لقمةٍ لا تسد الجوع.
ثم جاء الحصار، فصار الجوع ضيفاً دائماً في البيوت، وصار الخبز حلماً، وصارت الطفولة ذكرى مبتورة.
لم تكن الحياة متعبة فحسب، بل كانت قاسية حدّ الجحيم.
جيلٌ كامل كبر وهو يحمل على كتفيه أثقالاً لا تُحتمل: خوفٌ مزمن، فقرٌ مستمر، وأحلامٌ مؤجلة إلى أجلٍ غير معلوم.
ومع ذلك، كنا نُطالب بالصبر دائماً، وكأن الصبر قدرٌ مكتوب على العراقي وحده دون سواه.
لكن السؤال المؤلم يبقى: لماذا كل هذا؟
لأن قلةً من المترفين والحكام اختاروا لأنفسهم حياةً أخرى، حياةً مرفهة لا تشبه حياتنا بشيء.
بينما كان العراقي يبحث عن ماءٍ نظيف وكهرباء وسقفٍ آمن، كانوا هم يتلذذون بأكل الغزلان وشرب النبيذ، ويتصارعون على الزعامة والكراسي.
لم يروا في الوطن سوى غنيمة، ولم يروا في الشعب سوى أرقام أو وقوداً لمعاركهم.
الزعامة حين تتحول إلى هوس، وحين تُختزل في شخصٍ أو حزب، تقود حتماً إلى الدكتاتورية. والدكتاتورية لا تنتج سوى القتل والخراب وتدمير الآخرين.
باسم السلطة سُفكت الدماء، وباسم الوطن ضاع الوطن، وباسم الشعارات الكبرى دُمّرت حياة البسطاء.
أنا لا أكره العراق، بل أكره ما فُرض عليّ أن أعيشه فيه.
أكره أن يولد الإنسان في بلدٍ غني، لكنه يعيش فقيراً.
أكره أن يكون التاريخ ثقيلاً إلى هذا الحد، وأن يكون المستقبل غامضاً إلى هذا الحد.
أعيش في العراق، نعم، لكني لم أعش العراق الذي حلمت به، ولا العراق الذي يستحقه أبناؤه.
ورغم كل ذلك، يبقى في القلب شيءٌ يشبه الأمل، وإن كان ضعيفاً. أملٌ بأن يأتي يوم لا يضطر فيه العراقي أن يكتب مثل هذا المقال، ولا يقول: أعيش في العراق… ولا أريد ان أعيش فيه ، بل يقولها بفخر وطمأنينة: أعيش في العراق، وأحب ان أعيش فيه.
أعيش في العراق ولا اريد ان أعيش فيه
Screenshot