إيران تفضّل السوداني أكثر من المالكي

إيهاب مقبل

منذ عودة اسم نوري المالكي إلى واجهة المشهد السياسي في العراق، وترشيحه لرئاسة الوزراء، ساد اعتقاد واسع بأن طهران تقف خلف هذا الترشيح وتفضّله على غيره، وبخاصة على محمد شياع السوداني. غير أن القراءة الهادئة للسلوك الإيراني خلال السنوات الأخيرة، وطبيعة حساباته الإقليمية والدولية، تكشف حقيقة أكثر تعقيدًا: إيران لا تفضّل المالكي بقدر ما تثق به، بينما تفضّل السوداني لأنه أقل كلفة وأكثر انسجامًا مع مرحلة التهدئة التي تمر بها المنطقة.

إيران اليوم ليست إيران ما قبل العقوبات القصوى ولا ما قبل اغتيال قاسم سليماني. فهي دولة تحت ضغط اقتصادي وسياسي متواصل، وتعمل في بيئة إقليمية متقلبة، وتحاول إدارة نفوذها دون الذهاب إلى مواجهات مباشرة مع أمريكا الشمالية أو حلفائها. في هذا السياق، لم تعد طهران تبحث عن شخصيات صدامية تعيد إنتاج الأزمات، بل عن قيادات قادرة على تثبيت النفوذ بهدوء ومن دون استفزاز الشارع أو المجتمع الدولي. من هذا المنطلق، يبدو محمد شياع السوداني أقرب إلى النموذج الذي تفضّله إيران في المرحلة الحالية.

السوداني، من المنظور الإيراني، لا يشكّل تهديدًا لنفوذها، لكنه في الوقت نفسه لا يضعها في قلب الصراع. فهو لا يعادي طهران، ولا يرفع خطابًا متشددًا ضد واشنطن، ويتمتع بقدرة على إدارة علاقات متوازنة مع المحيط العربي، ولا سيما دول الخليج. هذه المعادلة تمنح إيران نفوذًا مستقرًا ومنخفض الكلفة، وهو ما تحتاجه في لحظة تبحث فيها عن تخفيف الضغوط بدل مضاعفتها.

في المقابل، يمثل نوري المالكي بالنسبة لإيران “خيار الضمان”. هو شخصية مجرَّبة، ذات علاقة طويلة بطهران، ويمكن التنبؤ بسلوكها السياسي. المالكي لا يخرج عن الخط العام لمحور إيران، ويحرص على حماية بنية “النفوذ الشيعي” والفصائل المسلحة. غير أن هذا الخيار، رغم موثوقيته، يحمل كلفة عالية؛ فاسم المالكي مرتبط بمرحلة استقطاب طائفي حاد، وبذاكرة سياسية سلبية لدى قطاعات واسعة من العراقيين، وعودته ترفع احتمالات الاحتجاج والاحتقان الداخلي.

هذا التقدير لا يقتصر على إيران وحدها، بل يتقاطع جزئيًا مع مواقف القوى الدولية الفاعلة في العراق. فأمريكا الشمالية تنظر إلى المالكي بتحفّظ واضح، وتربط اسمه بمرحلة فساد وتدهور أمني وسياسي وبصعود تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، فضلًا عن قربه الشديد من طهران. واشنطن لا ترغب في عودته، لكنها في الوقت نفسه لا تميل إلى المواجهة المباشرة، بل تفضّل التعامل البراغماتي مع أي حكومة تتشكل شريطة ضمان مصالحها الأمنية وعدم استهداف قواتها. في هذا الإطار، ترى واشنطن في السوداني خيارًا أقل استفزازًا، وأكثر قابلية للاحتواء والتفاهم.

أما لندن، فتتقاطع رؤيتها مع واشنطن إلى حد كبير، لكنها تركز أكثر على مسألة الاستقرار المؤسساتي وتجنب الانقسامات الحادة. بريطانيا لا تنظر إلى المالكي كشخصية قادرة على تهدئة الداخل العراقي أو طمأنة الشركاء الدوليين، بينما ترى في السوداني نموذجًا إداريًا يمكن التعامل معه، خاصة في ملفات الاقتصاد والطاقة والإصلاحات الشكلية.

تل أبيب، من جهتها، لا تتعامل مع المشهد العراقي من زاوية الأسماء بقدر ما تركز على مستوى النفوذ الإيراني. لكنها، وفق هذا المنطق، ترى في المالكي شخصية قد تعزز حضور طهران الصلب وتمنح الفصائل المسلحة هامشًا أوسع، وهو ما تعتبره تهديدًا غير مباشر. لذلك، فإن أي شخصية أقل اندفاعًا وأقل التصاقًا بمحور المواجهة، مثل السوداني، تُعد خيارًا أقل إزعاجًا من المنظور الإسرائيلي، حتى وإن لم تكن مقبولة أو صديقة.

في المقابل، تتعامل موسكو مع الملف العراقي بعقلية مختلفة. روسيا لا تتحفظ كثيرًا على المالكي، بل تنظر إليه كشخصية مناهضة للهيمنة الأميركية، ومنفتحة على توسيع الشراكات مع الشرق. لكنها في الوقت نفسه لا تمانع السوداني، طالما يفتح الباب أمام التعاون الاقتصادي والطاقة والتسليح. بالنسبة لموسكو، الأهم هو وجود حكومة مستقرة وغير معادية، لا اسم رئيسها بحد ذاته.

في ضوء كل ذلك، تتضح المفارقة الأساسية في الموقف الإيراني: الثقة بالمالكي لا تعني تفضيله، والتفضيل للسوداني لا يعني منحه تفويضًا مطلقًا. إيران تميل إلى السوداني لأنه أقل كلفة داخليًا وخارجيًا، وأكثر انسجامًا مع مناخ التهدئة الإقليمي، لكنها تحتفظ بالمالكي كخيار احتياطي في لحظات الانسداد أو الخطر.

في المحصلة، لا تسعى إيران إلى إعادة إنتاج الماضي بقدر ما تحاول إدارة الحاضر بأقل الخسائر الممكنة. ولهذا، فإن تفضيلها الحقيقي يميل نحو محمد شياع السوداني، لا لأنه الأقرب أيديولوجيًا، بل لأنه الأنسب لمرحلة تريد فيها طهران نفوذًا مستقرًا بلا صخب، وحضورًا مؤثرًا دون أن تكون في واجهة العاصفة.

انتهى