د. فاضل حسن شريف
قال الله تعالى عن يركب “اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ” ﴿غافر 79﴾. قوله سبحانه “وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ” ﴿الزخرف 12﴾. قوله تبارك وتعالى “لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ” ﴿الإنشقاق 19﴾
عن مجمع البيان للشيخ الطبرسي: عن يركب قوله تبارك وتعالى “لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ” ﴿الإنشقاق 19﴾ هذا جواب القسم أي لتركبن يا محمد سماء بعد سماء تصعد فيها عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والشعبي والكلبي ويجوز أن يريد درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في المقربة من الله ورفعة المنزلة عنده وروى مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقرأ لتركبن بفتح الباء “طبقا عن طبق” قال يعني نبيكم حالا بعد حال رواه البخاري في الصحيح ومن قرأ بالضم فالخطاب للناس أي لتركبن حالا بعد حال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أمر يعني في الآخرة والمراد أن الأحوال تتقلب بهم فيصيرون على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا وعن بمعنى بعد كما قال سبحانه “عما قليل ليصبحن نادمين” أي بعد قليل. وقيل معناه لتركبن منزلة عن منزلة وطبقة عن طبقة وذلك أن من كان على صلاح دعاه ذلك إلى صلاح فوقه ومن كان إلى فساد دعاه إلى فساد فوقه لأن كل شيء يجر إلى شكله وقيل لتركبن سنن من كان قبلكم من الأولين وأحوالهم عن أبي عبيدة وروي ذلك عن الصادق عليه السلام والمعنى أنه يكون فيكم ما كان فيهم ويجري عليكم ما جرى عليهم حذو القذة بالقذة.
وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قال الله تعالى عن يركب “وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ” (الزخرف 12) وقال: “وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ” (المؤمنون 22). وفسر بعضهم الفلك المذكور في الآية السابقة بسفينة نوح عليه السلام وما في هذه الآية بالسفن والزوارق المعمولة بعدها وهو تفسير رديء ومثله تفسير ما في هذه الآية بالإبل خاصة. وربما فسر ما في هذه الآية بالطيارات والسفن الجوية المعمولة في هذه الأعصار والتعميم أولى.
وعن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قال الله تعالى عن يركب “اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ” ﴿غافر 79﴾. قوله سبحانه “وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ” ﴿الزخرف 12﴾. قوله تبارك وتعالى “لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ” ﴿الإنشقاق 19﴾.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله سبحانه “وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ” ﴿الزخرف 12﴾ بعد أن ذكّرهم سبحانه بنعمة الماء والأرض، وانهم يأكلون منها ويلبسون ويشربون ذكّرهم بنعمة المواصلات، وخص الفلك والأنعام بالذكر من باب المثال لا من باب الحصر لأن غيرهما كالسيارة والطائرة لم يكن معروفا في ذلك العهد “لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ” ضمير ظهوره يعود إلى الاسم الموصول، وهوما تركبون “ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ” الاستواء الاستقرار، وعليه أي على ما تركبون.
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قال الله تعالى عن يركب “اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ” ﴿غافر 79﴾ الجعل هنا الخلق أو التسخير، واللام في “لتركبوا” للغرض و”من” للتبعيض، والمعنى خلق لأجلكم أو سخر لكم الأنعام والغرض من هذا الجعل أن تركبوا بعضها كبعض الإبل وبعضها كبعض الإبل والبقر والغنم تأكلون. قوله سبحانه “وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ” ﴿الزخرف 12﴾ أي تركبونه، والركوب إذا نسب إلى الحيوان كالفرس والإبل تعدى بنفسه فيقال: ركبت الفرس وإذا نسب إلى مثل الفلك والسفينة تعدى بفي فيقال ركب فيه قال تعالى: “وإذا ركبوا في الفلك” ففي قوله: “ما تركبون” أي تركبونه تغليب لجانب الأنعام. قوله تعالى: “لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا” إلى قوله “لمنقلبون” الاستواء على الظهور الاستقرار عليها، والضمير في “ظهوره” راجع إلى لفظ الموصول في “ما تركبون”، والضمير في قوله: “إذا استويتم عليه” للموصول أيضا فكما يقال: استويت على ظهر الدابة يقال: استويت على الدابة. والمراد بذكر نعمة الرب سبحانه بعد الاستواء على ظهر الفلك والأنعام ذكر النعم التي ينتفع بها الإنسان بتسخيره تعالى له هذه المراكب كالانتقال من مكان إلى مكان وحمل الأثقال قال تعالى: “وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ” (إبراهيم 32)، وقال: “والأنعام خلقها” إلى أن قال “وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس”: (النحل 7)، أو المراد ذكر مطلق نعمه تعالى بالانتقال من ذكر هذه النعم إليه. قوله تبارك وتعالى “لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ” ﴿الإنشقاق 19﴾ جواب القسم والخطاب للناس والطبق هو الشيء أو الحال الذي يطابق آخر سواء كان أحدهما فوق الآخر أم لا والمراد به كيف كان المرحلة بعد المرحلة يقطعها الإنسان في كدحه إلى ربه من الحياة الدنيا ثم الموت ثم الحياة البرزخية ثم الانتقال إلى الآخرة ثم الحياة الآخرة ثم الحساب والجزاء.
وجاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تبارك وتعالى “لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ” ﴿الإنشقاق 19﴾ إشارة إلى المراحل والتحولات التي يمرّ بها الإنسان في حياته. وقد ذكرت تفاسير مختلفة لهذه الآية المباركة، منها: 1 ـ يقصد بها تلك الحالات المختلفة التي يمرّ بها الإنسان في كدحه وسيره المضني نحو اللّه جلّ وعلا، فيبدأ بحالة الدنيا، ثمّ ينتقل إلى عالم البرزخ ومنه إلى القيامة والآخرة (مع ملاحظة أنّ (طبق) من (المطابقة)، وهي جعل الشيء فوق شيء آخر بقدرة، وجاءت أيضاً بمعنى، المنازل التي يطويها الإنسان في عملية صعوده). 2 ـ يقصد بها تلك الحالات التي يمرّ بها الإنسان منذ كونه نطفةً حتى يموت، (وقد عدّها البعض (37) حالة). 3 ـ يقصد بها تلك الحالات التي يعيشها الإنسان في حياته من: سلامة ومرض، سرور وغم، اليسر والعسر، السلم والحرب الخ. 4 ـ يقصد بها تلك الحالات الصعبة التي ستواجه الإنسان يوم القيامة حتى يفرغ من حسابه، ويتجه إلى مصيره (الجنّة أو النّار). 5 ـ يقصد بها تلك الحالات التي مرّت بها الأقوام السالفة بحلاوتها ومرّها، وكذلك الإشارة إلى ألوان التكذيب والإنكار الذي يقع في هذه الاُمّة، وهذا المعنى قد ورد في حديث ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام. ولا يمنع من اعتبار كلّ ما جاء في التفاسير أعلاه مصاديق لمعنى الآية. وقيل: إنّ شخص النّبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المخاطب في الآية، والآية تشير إلى طبقات السماء التي طواهنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في معراجه. ولكن، بلحاظ وجود الضم على (الباء) في (لتركُبنّ)، يتّضح لنا أنّ المخاطب جمع وليس فرد هذا من جهة، ولو رجعنا إلى الآيات السابقة لرأينا النداء موجه إلى النّاس كافة من جهة اُخرى، وعليه، فهذا التّفسير بعيد عن مرام الآية. وعلى آية حال، فعدم استقرار الإنسان على حال ثابتة يدلل على فقر الإنسان واحتياجه، لأنّ كلّ متغيّر حادث، وكلّ حادث له محدث، كما وإنّ عدم استقرار هذا العالم علامة على حركة الإنسان المستمرة نحو اللّه والمعاد، وكما قالت الآية: (يا أيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحاً فملاقيه).