إعداد وتحليل وتقديم صباح البغدادي
تحقيق صحفي أستقصائي :
إعداد وتحليل وتقديم صباح البغدادي
في عرض هذا التحقيق الصحفي الاستقصائي، لا نقف عند ما بثّته بعض وسائل الإعلام الرسمية أو القنوات الإخبارية العالمية فحسب، وعلى أهميته، بل سوف نتوقف مرغمين عند ما هو أخطر وأعمق: ما كشفته كاميرات المواطنين الذين دخلوا، للمرة الأولى، إلى أنفاق وسجون ومرافق احتجاز سرية كانت مغلقة تماماً أمام أي رقابة مستقلة، وتخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية ( قسد) في محافظات ومدن ومناطق شمال سوريا وما قالته الصور والأفلام حتى وان لم تنطق بها صراحة بحكم العادات والتقاليد والأعراف العشائرية والعائلية والمجتمعية التي تحكم مثل تلك المناطق وتخاف من السمعة ولكن نحن بدورنا ومن الواجب الصحفي والإعلامي علينا أن نركز ما كانت تخفيه وراءها هذه الصور والأفلام والمعاناة والظروف غير الإنسانية التي كانت ترافق الأطفال المعتقلين والاستعباد الجنسي للفتيات القاصرات المختطفات من قبل قيادات قسد .
الصور والمقاطع المصوّرة التي خرجت من تلك المواقع—بما تحمله من تفاصيل معمارية وتجهيزات داخلية—فتحت باباً واسعاً لأسئلة لنا سوف نقوكم بطرحها على الري العام وتخوفات من طمس هذا الملف بتعمد مع سبق الاصرار والترصد لمحاولة لملمة هذه الفضيحة غير الإنسانية قبل انتشارها وهذا ما نعمل عليه حاليا بكل جد ونشاط وقبل أي وسيلة إعلامية اخرى سواء أكانت محلية أو عربية وحتى عالمية او حتى الحديث عنها ولو بشق كلمة وليس حرف لأننا نعتقد جازمين ولا يمكن للمجتمع الدولي تجاهلها. فقد أظهرت هذه المواد وجود شبكة أنفاق وغرف احتجاز قُدِّمَت على أنها مرافق أمنية، لكنها احتوت، بحسب ما وثّقته الكاميرات وشهادات الناجين، على أطفال وقاصرات من العرب والأكراد، محتجزين في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية والقانونية.
الأكثر إثارة للقلق هو ما ظهر داخل بعض هذه الأنفاق من تجهيزات ومعدات طبية حديثة، وغرف عمليات مكتملة، وفي اعتقادنا وحسب ما رأيناه من خلال الصور والأفلام المصورة فاننا على يقين شبه تام بإن هذه المرافق لم تكن مخصصة حصراً لمعالجة جرحى أو مصابي العمليات العسكرية من مقاتلين قسد ، كما أُعلن سابقاً، بل ترافقت مع ادعاءات شديدة الخطورة تشير إلى احتمال استخدامها في ممارسات أخرى تمسّ جوهر الكرامة الإنسانية، من بينها الاشتباه بتحويل أجساد أطفال محتجزين إلى ما يشبه “مخزون بشري” وقطع غيار يُستغل لأغراض غير مشروعة. ولأن الحديث عن أطفال محتجزين يمسّ واحدة من أكثر القضايا حساسية في القانون الدولي الإنساني: حماية القُصّر أثناء النزاعات المسلحة. أي جهة—دولة كانت أو فاعلاً غير دولتي—تُعامل الأطفال بوصفهم أدوات أمنية أو سياسية او قطع غيار طبية جاهزة للتصدير ، فهي تدخل منطقة خطيرة أخلاقياً وقانونياً. لذلك السؤال ليس دعائياً، لم تعد القضية المطروحة في هذا التحقيق مسألة انتهاكات معزولة أو تجاوزات فردية قابلة للاحتواء، بل باتت تمسّ جوهر الشرعية والمسؤولية الأخلاقية والقانونية الملقاة، بالدرجة الأولى، على عاتق الولايات المتحدة الأمريكية، وبقية دول التحالف الدولي الذي تشكّل تحت عنوان محاربة تنظيم “داعش”.
بعد سيطرة الجيش السوري على سجن الأقطان في ريف الرقة، بدأت بالظهور إلى العلن مشاهد وصور وشهادات صادمة لأطفال وقُصّر كانوا محتجزين داخل السجن، في ظروف أثارت موجة واسعة من التساؤلات الحقوقية والإنسانية، وسط مطالب متزايدة بفتح تحقيق مستقل وشفاف.
شهادات الناجين: روايات لا يمكن تجاهلها
عدد من الأطفال والقُصّر الذين خرجوا من السجن أدلوا بشهادات متطابقة في خطوطها العامة، تحدثوا فيها عن:
- احتجاز لفترات طويلة دون مسار قضائي واضح
- تعرض بعضهم لانتهاكات جسدية ونفسية
- ادعاءات بوقوع اعتداءات جنسية واستغلال ممنهج داخل أماكن الاحتجاز
هذه الشهادات، التي وثّق بعضها عبر كاميرات مواطنين وناشطين محليين، لا يمكن التعامل معها بوصفها أدلة قضائية نهائية، لكنها تمثل مؤشرات خطيرة تستوجب التحقيق الفوري.
صور ومقاطع مصوّرة: توثيق أم بداية سؤال؟
الصور المتداولة تُظهر أطفالاً في حالات صحية ونفسية متدهورة، ما يعزز الشكوك حول ظروف الاحتجاز. غير أن خبراء قانونيين وحقوقيين يؤكدون أن المواد المصوّرة:
- تُعد عنصر دعم للتحقيق
- لكنها تحتاج إلى فحص تقني وزمني
- وربطها بشهادات طبية وطب شرعي مستقل
ادعاءات بالغة الخطورة
تضمنت بعض الإفادات اتهامات شديدة الخطورة، من بينها:
- الاستعباد الجنسي
- والاشتباه بوجود ممارسات تتعلق بالاتجار بالأعضاء البشرية
وهي اتهامات، إن ثبتت، ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي، لكنها في الوقت ذاته تتطلب:
- أدلة طبية موثقة
- تقارير تشريح
- وسلسلة إثبات قانونية صارمة
ما يجعل التحقيق المستقل ضرورة لا خياراً.
الأطفال في النزاعات المسلحة: خط أحمر
القانون الدولي الإنساني، واتفاقية حقوق الطفل، يضعان الأطفال تحت حماية خاصة، ويمنعان:
- احتجازهم تعسفياً
- تعريضهم لأي شكل من أشكال العنف أو الاستغلال
- استخدامهم كأدوات ضغط أو مساومة سياسية
وأي جهة، رسمية كانت أو غير رسمية، يثبت تورطها في انتهاك هذه المبادئ، تتحمل مسؤولية قانونية كاملة.
بين الحقيقة والاستغلال السياسي
يحذّر حقوقيون من خطرين متوازيين:
- طمس الجرائم بحجة غياب الأدلة الكاملة
- استغلال معاناة الأطفال في صراعات سياسية وإعلامية
كلاهما يؤدي إلى النتيجة ذاتها: ضياع العدالة للضحايا.
مطلب واضح: تحقيق مستقل وشفاف
أمام خطورة ما ورد في الشهادات، يبرز مطلب أساسي لا خلاف عليه:
فتح تحقيق دولي مستقل، بإشراف جهات حقوقية محايدة، يشمل مقابلات نفسية وطبية للأطفال الناجين، وفحص أماكن الاحتجاز، ومراجعة جميع التسجيلات المتاحة.
فالعدالة الحقيقية لا تقوم على الاتهام المجرد، ولا على النفي المطلق، بل على كشف الحقيقة كاملة وحماية الضحايا ومحاسبة المسؤولين أياً كانوا.
خاتمة
قضية الأطفال المحتجزين ليست ملفاً سياسياً، بل اختبار أخلاقي وقانوني للمجتمع الدولي.
وأي تأخير في التحقيق، أو تجاهل للشهادات، يعني السماح بإفلات محتمل من العقاب، وترك جراح مفتوحة في ذاكرة جيل كامل.
ومن منظور القانون الدولي وفق اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولاتها:
- لا يجوز اعتقال الأطفال تعسفياً.
- يجب أن يكون الاحتجاز (إن وُجد) كملاذ أخير، ولأقصر مدة ممكنة.
- يمنع استخدام الأطفال كورقة تفاوض، ضغط سياسي، أو مصدر تمويل.
إذا ثبت أن:
- الأطفال لم يكونوا متورطين بأعمال قتالية،
- أو احتُجزوا بلا مسار قضائي واضح،
- أو استُخدموا للدعاية، أو للمساومة، أو للحصول على دعم خارجي،
فهذا ليس مجرد انتهاك، بل قد يرقى إلى:
- جريمة حرب
- ويدخل ضمن مفهوم الإرهاب إذا كان الهدف بثّ الرعب أو تحقيق مكاسب سياسية عبر المدنيين.
هل هو “إرهاب” و“متاجرة بالأطفال”؟
- إرهاب؟
نعم، قانونياً يمكن وصفه كذلك إذا كان الاحتجاز مقصوداً لإخافة مجتمع، فرض سلطة، أو ابتزاز سياسي. - متاجرة؟
إذا استُخدم الأطفال: للحصول على تمويل، أو كوسيلة تفاوض مع أطراف خارجية، أو كواجهة إعلامية لجلب تعاطف أو شرعية، فهذا يدخل ضمن الاستغلال والمتاجرة غير المباشرة حتى لو لم يكن بيعاً حرفياً.
السؤال ليس: من الطرف؟
بل:
هل جرى انتهاك حقوق أطفال لمجرد انتمائهم الجغرافي أو العائلي أو العشائري ؟
ففي ظل ما تكشفه الشهادات المتراكمة، والمواد المصوّرة الخارجة من مواقع احتجاز مغلقة سابقاً، يبرز سؤال مركزي لا يمكن تجاوزه:
هل جرى التغاضي، عمداً أو بإهمال جسيم، عن انتهاكات خطيرة بحق أطفال وقُصّر، بدعوى أولوية المعركة ضد تنظيم داعش؟
هذا السؤال لا يُطرح من باب الاتهام المسبق، بل من منطلق قانوني بحت. إذ إن الدعم العسكري والمالي والسياسي، إلى جانب الإشراف العملياتي، يفرض—وفق قواعد القانون الدولي الإنساني—واجباً واضحاً في الرقابة والمساءلة. وعندما تتراكم مؤشرات حول اعتقال أطفال، وابتزاز عائلاتهم، وادعاءات تتعلق بالاستغلال الجنسي، فإن الصمت أو التقاعس عن التحقيق لا يمكن تفسيره بوصفه موقفاً محايداً.
وتزداد خطورة هذه التساؤلات عندما تُطرح فرضية أن الامتناع عن محاسبة قيادات محلية قد يكون تمّ تبريره، صراحة أو ضمناً، باعتباره “ثمناً سياسياً أو أمنياً” لاستمرار مشروع محاربة تنظيم داعش. فمثل هذا المنطق—إن ثبت—يمثل انتهاكاً مباشراً لمبدأ عدم قابلية حقوق الإنسان للتجزئة، ويقوّض الأساس الأخلاقي الذي قامت عليه فكرة التحالف الدولي نفسها.
من منظور القانون الدولي الإنساني وإذا كانت الإجابة نعم، فالجريمة واحدة، مهما تغيّر الاسم أو الشعار.
لا يمنح القانون الدولي أي طرف، مهما كانت مبرراته الأمنية، الحق في:
- احتجاز الأطفال تعسفياً
- استخدامهم كأدوات ضغط أو ابتزاز
- أو الإخفاق في حمايتهم من الاستغلال والعنف
كما أن مبدأ الضرورة العسكرية لا يبرر، بأي حال من الأحوال ، تعليق أو تجاهل الحماية الخاصة المقررة للأطفال. وعليه، فإن الإخفاق في التحقيق الجدي، أو الاستمرار في تقديم الدعم رغم وجود مؤشرات موثوقة على انتهاكات جسيمة، يثير مسألة المسؤولية القانونية غير المباشرة، سواء على مستوى الدول أو التحالفات العسكرية.
مطلب عاجل لا يحتمل التأجيل وانطلاقاً من هذه المعطيات، ومن مبدأ أن الحقيقة حق للضحايا وللرأي العام، فإننا نطالب، وبصورة عاجلة، بـ:
تشكيل لجنة تقصّي حقائق أممية مستقلة، خاضعة لإشراف مباشر من الأمم المتحدة، ومزودة بولاية واضحة وصلاحيات كاملة، للتوجه فوراً إلى سوريا دون أي تأخير.
على أن تشمل مهام هذه اللجنة:
- توثيق شهادات الأطفال والقُصّر وفق معايير تحميهم من إعادة الصدمة
- فحص أماكن الاحتجاز والأنفاق والمرافق الطبية المشتبه بها
- جمع الأدلة المادية والرقمية بصورة محايدة وقانونية
- وتقديم نتائجها للرأي العام الدولي بشفافية كاملة
من منظور القانون الدولي فان
- اغتصاب قُصّر
- استعباد جنسي
- أو الاتجار بالأعضاء
فنحن لا نتحدث عن “تجاوزات” أو “أخطاء حرب”، بل عن:
- جرائم ضد الإنسانية
- جرائم حرب
- وقد ترقى إلى أفعال إبادة جماعية إذا كانت ممنهجة أو تستهدف فئة بعينها
وهذه جرائم لا تسقط بالتقادم ولا تُبرَّر بأي سياق أمني أو سياسي وإذا ثبت ما ذُكر بدليل مستقل → نحن أمام جرائم من أبشع ما عرفه العصر الحديث، ولا يغيّرها اسم الجهة أو خطابها. وإذا لم يُستكمل التحقيق → فالواجب الأخلاقي هو المطالبة بتحقيق دولي، لا استثمار الألم سياسياً.
العدالة الحقيقية للأطفال لا تكون بالصراخ فقط، بل بتثبيت الجريمة بحيث لا يهرب أي مجرم.
إن استمرار الغموض، أو الاكتفاء ببيانات نفي عامة، أو إرجاء التحقيق تحت ذرائع سياسية، لا يخدم سوى ثقافة الإفلات من العقاب. أما كشف الحقيقة—مهما كانت نتائجها—فهو وحده الكفيل بالحفاظ على ما تبقى من مصداقية النظام الدولي، وضمان ألا تتحول مكافحة الإرهاب إلى غطاء لانتهاكات تمسّ أبسط القيم الإنسانية.
إن هذه الادعاءات، بما تحمله من فداحة أخلاقية وقانونية، لا يجوز التعامل معها كمواد إعلامية عابرة، ولا إنكارها بالصمت، ولا استثمارها سياسياً. فهي، في حال ثبوتها عبر تحقيق مستقل، ترقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وقد تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لا سيما أنها تتعلق بأطفال وقاصرين يتمتعون بحماية مضاعفة بموجب القانون الدولي.
من هنا، فإن الواجب لا يقتصر على الإدانة الخطابية، بل يتطلب:
- توثيقاً مهنياً مستقلاً لكل المواقع،
- جمع الشهادات وفق معايير تحمي الضحايا من إعادة الصدمة،
- فحصاً طبياً وشرعياً محايداً،
- وبناء ملف قانوني متكامل لا تشوبه الانتقائية أو التسييس.
إن أي تهاون في هذا المسار، أو أي محاولة لغضّ الطرف عن هذه الادعاءات بحجة التعقيد السياسي أو الحسابات الجيوسياسية، يمثل إخفاقاً أخلاقياً جسيماً، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقيته في الدفاع عن حقوق الإنسان، وخصوصاً حقوق الطفل والمرأة.
هذه الأنفاق ثبت أنها كانت تستخدم ليس فقط لتهريب السلاح والمخدرات والعملة الصعبة المزورة وأنما لتهريب القاصرات الفتيات إلى محافظات شمال العراق للعمل في الملاهي الليلية في محافظات اربيل والسليمانية وحتى بغداد لغرض استعبادهم جنسيآ !
وعليه، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعداد ملف قانوني شامل يُحال إلى:
- محكمة العدل الدولية في لاهاي،
- مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة،
- وجميع الآليات والمنظمات الدولية المعنية بحماية الأطفال والنساء في النزاعات المسلحة.
فالعدالة لا تتحقق بالإنكار، ولا بالتأجيل، ولا بازدواجية المعايير.
وإن التخلي عن كشف الحقيقة، أو عن ملاحقة جميع الجناة—منفذين كانوا أو مشرفين أو داعمين—يعني القبول الضمني باستمرار الانتهاك، وتحويل معاناة الضحايا إلى رقم هامشي في تقارير منسية.
إن كشف الحقيقة ليس خياراً سياسياً، بل واجب إنساني وقانوني، لا يسقط بالتقادم.
لماذا يُعد هذا السؤال مهماً؟
لأن الحديث عن أطفال محتجزين يمسّ واحدة من أكثر القضايا حساسية في القانون الدولي الإنساني: حماية القُصّر أثناء النزاعات المسلحة. أي جهة—دولة كانت أو فاعلاً غير دولتي—تُعامل الأطفال بوصفهم أدوات أمنية أو سياسية، فهي تدخل منطقة خطيرة أخلاقياً وقانونياً. لذلك السؤال ليس دعائياً، بل يتعلق بجوهر الشرعية والمسؤولية.
وفقاً لاتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والبروتوكول الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، تُلزم جميع الأطراف—سواء كانت دولاً أو جهات مسلحة غير حكومية—بضمان حماية خاصة للأطفال من جميع أشكال العنف والاستغلال والاعتقال التعسفي. كما يُعد أي شكل من أشكال الاعتداء الجنسي أو الاستعباد أو الاتجار بالأطفال انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى، في حال ثبوت طابعه المنهجي أو واسع النطاق، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وتؤكد المعايير الأممية أن احتجاز الأطفال لا يجوز أن يتم إلا كملاذ أخير، ولأقصر فترة ممكنة، مع ضمان الإشراف القضائي، والرعاية النفسية والطبية، واحترام الكرامة الإنسانية. كما تشدد مبادئ الأمم المتحدة على أن شهادات الأطفال الضحايا والناجين تُعد ذات قيمة قانونية خاصة، شريطة جمعها ضمن آليات تحقيق مستقلة تراعي الصدمة النفسية وتحمي الشهود من أي شكل من أشكال الترهيب أو الانتقام.
وانطلاقاً من خطورة الادعاءات المتداولة، فإن المعايير الدولية تفرض الدعوة إلى تشكيل آلية تحقيق مستقلة ومحايدة، تضم خبراء في القانون الدولي وحقوق الطفل والطب الشرعي، وتتمتع بصلاحية الوصول إلى أماكن الاحتجاز، وفحص الأدلة المادية والرقمية، وضمان المساءلة الفردية، بما ينسجم مع مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
يثير ما ورد في شهادات الأطفال والقُصّر المحتجزين أسئلة قانونية جوهرية لا يمكن تجاوزها، لا سيما في ظل الواقع المعروف بأن قوات سوريا الديمقراطية تلقت، على مدى سنوات، دعماً مالياً ولوجستياً وتدريبياً من الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت تعمل ضمن إطار عمليات تشرف عليها قوات التحالف الدولي. ووفقاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني وقواعد المسؤولية الدولية، فإن الدعم والتمويل والإشراف العملياتي يفرض واجب العناية والرقابة على الجهات الداعمة، ويستوجب اتخاذ تدابير فعالة لمنع وقوع انتهاكات جسيمة، والتحقيق فيها فور ظهور مؤشرات موثوقة.
وتؤكد السوابق القانونية الدولية أن غضّ الطرف عن انتهاكات خطيرة—في حال ثبوتها—أو الإخفاق في اتخاذ إجراءات معقولة لمنعها أو التحقيق فيها، قد يثير مسألة المسؤولية غير المباشرة أو التواطؤ بالإهمال، خصوصاً عندما تتعلق الانتهاكات بأطفال، وهم فئة تتمتع بحماية معززة بموجب القانون الدولي.
ومن هذا المنطلق، لا يقتصر السؤال القانوني على طبيعة الأفعال المنسوبة داخل أماكن الاحتجاز فحسب، بل يمتد ليشمل:
هل قامت الجهات الداعمة والمشرفة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وقوات التحالف، بواجبها الكامل في الرقابة والمساءلة؟
وهل فُتحت تحقيقات مستقلة وشفافة فور ورود هذه الادعاءات، أم جرى التعامل معها بصمت أو تجاهل؟
إن البحث عن الحقيقة، وفق المعايير الأممية، يقتضي ألا تُستثنى أي جهة من المساءلة، وأن يخضع الداعم والمشرف للمعايير ذاتها التي يُطالب بها المنفّذ المباشر، ضماناً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب، وحفاظاً على مصداقية منظومة حماية حقوق الإنسان.
تُثير الادعاءات الخطيرة الواردة في شهادات الأطفال والقُصّر الناجين، في حال ثبوتها، قلقاً بالغاً بشأن مدى التزام الجهات المسيطرة والداعمة بالواجبات المفروضة عليها بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن قوات سوريا الديمقراطية كانت تعمل، خلال الفترة ذات الصلة، بدعم مالي ولوجستي وتدريبي من الولايات المتحدة الأمريكية، وضمن إطار عملياتي يخضع لإشراف مباشر أو غير مباشر من قبل قوات التحالف الدولي.
وبموجب مبادئ المسؤولية الدولية، لا سيما تلك المتعلقة بـواجب العناية الواجبة (Due Diligence)، فإن أي دولة أو تحالف يقدم دعماً فعّالاً لجهة مسلحة غير حكومية، مع علم فعلي أو مفترض بوجود مخاطر جدية لوقوع انتهاكات جسيمة، يكون ملزماً باتخاذ تدابير ملموسة لمنع تلك الانتهاكات، ورصدها، والتحقيق فيها، وضمان المساءلة. ويزداد هذا الالتزام تشدداً عندما تتعلق الادعاءات بأطفال، لما يتمتعون به من حماية معزَّزة وغير قابلة للتقييد.
وتؤكد المعايير الأممية أن الامتناع عن التحقيق، أو الاكتفاء بإنكار عام، أو الاستمرار في تقديم الدعم في ظل مؤشرات موثوقة على وقوع انتهاكات جسيمة، قد يرقى إلى إخفاق جسيم في الوفاء بالالتزامات الدولية، ويثير تساؤلات مشروعة حول المسؤولية غير المباشرة، أو التواطؤ الناتج عن الإهمال الجسيم.
وفي هذا السياق، لا يمكن الاكتفاء بفحص أفعال الجهة المنفذة داخل أماكن الاحتجاز، بل يتعين توسيع نطاق المساءلة ليشمل:
- طبيعة الإشراف الذي مارسته الجهات الداعمة
- آليات الرصد والتدقيق المعتمدة
- وما إذا تم التعامل بجدية وشفافية مع أي بلاغات أو مؤشرات سابقة
إن أي تأخير في كشف الحقيقة، أو أي انتقائية في تطبيق معايير المساءلة، من شأنه أن يقوّض مصداقية منظومة حماية حقوق الطفل، ويُكرّس ثقافة الإفلات من العقاب، لا سيما في سياقات النزاع المسلح حيث يكون الأطفال أول الضحايا وأضعفهم.
وعليه، تبرز الحاجة الملحّة إلى آلية تحقيق دولية مستقلة، ذات ولاية واضحة وصلاحيات كاملة، لا تستثني أي طرف، مباشر أو غير مباشر، وتعمل وفق أعلى معايير الاستقلال والشفافية، بما يضمن حق الضحايا في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر.
في ختام هذا التحقيق الصحفي الاستقصائي الذي نقدم للرأي العام، لا نكتفي بالتساؤل عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحلفائها، بل نتوجه بتساؤلات مماثلة نحو المسؤولية القانونية والأخلاقية التي يتحملها المجتمع الدولي، وكذلك القيادة السورية الجديدة، ممثلة في شخص السيد أحمد شرع والسلطات المعنية في دمشق.
إن هذه القضية، التي تكشف عن جرائم غير إنسانية وغير أخلاقية، يجب أن تتجاوز حدود الخطاب المحلي أو الإقليمي، لتصبح قضية رأي عام دولية. إنها ليست فقط مسؤولية السوريين—من جميع الأطياف والاتجاهات—لكنها أيضاً مسؤولية قانونية تقع على عاتق المجتمع الدولي ككل، لا سيما في ظل التحديات الإنسانية المتزايدة في مناطق النزاع، حيث تتحطم أبسط الحقوق تحت وطأة الصراعات المسلحة.
المجتمع الدولي، الذي طالما أعلن عن موقفه الحازم تجاه انتهاكات حقوق الإنسان، لا يمكنه أن يتجاهل أو يتراخى في فتح تحقيق مستقل في هذه الانتهاكات. من الضروري أن يتخذ هذا التحقيق مساراً جاداً وفاعلاً لا يعترف بالسياسات الانتقائية، ويُلزِم الجميع بتحمل مسؤولياتهم.
ومع الأسف، نحن نعتقد ومن خلال قراءاتنا المعمقة حول سوابق اخرى سواء أكانت لتجربة الدولية (يوغوسلافيا، الكونغو، العراق، ميانمار) تبيّن أن هذا النوع من الجرائم يظهر عندما تجتمع 4 عوامل:
- سلطة مسلحة خارج رقابة دولة أو قضاء مستقل
- احتجاز مغلق وغير خاضع للشفافية
- ضحايا بلا حماية (أطفال، نازحون، بلا وثائق)
- اقتصاد حرب (تمويل، ابتزاز، شبكات سوداء)
في هذه البيئة:
- لا تكون الجرائم دائماً سياسة معلنة
- بل قد تكون شبكات داخلية تعمل تحت الغطاء الأمني
- أو أفراداً يستغلون السلطة مع إفلات كامل من العقاب
تشير بعض التقارير إلى وجود محاولات لتغطية الحقائق—قد تشمل استهداف قيادات عسكرية أو محاولات لتصويرهم وكأنهم ضحايا لمؤامرات تُختَلق بعيداً عن أي نوع من التحقيق الجاد. إذ لا يمكن استبعاد الفكرة المقلقة التي تطرحها بعض المصادر عن “مسرحية انتحار” قد يتم إخراجها—كما حدث سابقاً مع قضايا دولية أخرى—مثل قضية جيفري إبستين، الذي تعرض للرواية ذاتها بعد ادعاءات بالتحقيقات في جرائم جنسية ضخمة.
وفي هذا السياق، يتعين على القيادة السورية الجديدة أن تكون في مقدمة الصفوف المطالبة بالتحقيق الجاد:
- هل سيتخذ النظام السوري خطوات قانونية حقيقية لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات؟
- هل سيتم الضغط على جميع الأطراف المعنية لضمان الشفافية وحماية الحقوق؟
القيادة السورية لا يمكنها أن تبقى مكتوفة الأيدي إزاء هذه الجريمة، لا سيما بعد أن أظهرت الأدلة والشهادات حجم المعاناة الإنسانية التي تعرض لها الأطفال والنساء في مناطق سيطرة قوات قسد. فالانتقال من النقد السياسي إلى المسؤولية القانونية يتطلب اتخاذ خطوات فعلية تُظهر التزام الدولة السورية بحقوق مواطنيها، ولا سيما تلك الفئات الأكثر ضعفاً مثل الأطفال.
المجتمع الدولي: مسؤولية لا يمكن التهرب منها
من جهة أخرى، لا يمكن للمجتمع الدولي أن يقف متفرجاً على هذه الانتهاكات، خصوصاً إذا كانت هذه الممارسات قد تمت تحت إشراف دولي غير مباشر، من خلال الدعم الذي تلقته قسد من بعض الدول الغربية. فحتى لو كانت هذه القوات تعمل وفق خطط مكافحة الإرهاب، فذلك لا يبرر بأي حال من الأحوال انتهاك حقوق الإنسان والتمادي في ارتكاب جرائم ضد الأطفال، واستغلالهم في الأغراض العسكرية أو السياسية.
إن المحاسبة الدولية للفاعلين—سواء كانوا من القيادات المحلية أو الدولية—يجب أن تتم بأعلى درجات النزاهة والشفافية، وأن تفتح الأمم المتحدة تحقيقاً مهنياً مستقلاً لا يغفل أي طرف من الأطراف.
الحقيقة لا تقبل اللف والدوران وأخيراً وليس آخراً: من مسؤولية القيادة السورية إلى واجب المجتمع الدولي
نحن، في هذا التحقيق الصحفي الاستقصائي ، لا نطالب فقط بمعرفة الحقيقة، بل نطالب بمساءلة حقيقية لجميع الجناة الذين ساهموا أو غضوا البصر عن هذه الجرائم، سواء كانوا في صفوف قسد أو من يدعمها.
إن المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والهيئات الحقوقية الدولية، مطالبون الآن أكثر من أي وقت مضى بأن يضمنوا إجراءات محاسبة عادلة، وأن يكشفوا هذه الحقيقة المظلمة التي كانت تُخفى عن الرأي العام الدولي.
إن تغاضي المجتمع الدولي عن هذه الانتهاكات—أو محاولة التغطية عليها بأي شكل من الأشكال—سيعني أن العدالة الإنسانية هي مجرّد شعار فارغ، وسيؤدي إلى تشجيع المزيد من الانتهاكات في المستقبل، بدل أن يكون هذا الملف نقطة تحول في حماية حقوق الإنسان في مناطق النزاع.
وفي الختام الأولي لطرح هذا التحقيق الصحفي الاستقصائي للعلن لان هذه القضية الجوهرية والأخلاقية والإنسانية لتكون قضية رأي عام ليس فقط سوري أو عربي بل يكون عالمي لا توجد حتى هذه اللحظة قناة إخبارية محليو أو عربية أو عالمية أو مؤسسة صحفية—محلية أو عربية أو دولية—تناولت هذا الملف بهذه الصيغة الشاملة، التفصيلية، والمرتبطة بسؤال المسؤولية القانونية الدولية كما طرحناه أعلاه بشيء من التفاصيل الأولية والتي سنتابع تطورها عن كثب خلال الساعات والأيام القادمة وليس الأسابيع لان مثل تلك القضايا الإنسانية الخطيرة أصبحت لا تقاس بالأسابيع والأشهر لغرض تسليط الضوء عليها وإنما بالدقائق والساعات لخطورة هذا الملف .
وما عملنا عليه يُعدّ طرحاً استباقياً من حيث الإطار والتحليل، وليس من حيث الإشارة العابرة للحدث فقط.
ماذا تناولته وسائل الإعلام فعلياً؟
حتى الآن، التغطية الإعلامية انحصرت في أحد الأشكال التالية:
- خبر عاجل أو تقرير قصير عن “العثور على سجون” أو “تحرير محتجزين”
- نقل روايات متفرقة من دون بناء ملف
- تغطيات إنسانية عامة بلا تحميل مسؤوليات قانونية
- تجاهل شبه كامل لمسألة الإشراف الأمريكي والتحالف الدولي
ولذا نحن شخصيا وحسب متابعتنا عن كثب لهذا الموضوع لم نشهد:
- تحقيقاً استقصائياً متكاملاً
- ربطاً ممنهجاً بين الدعم الدولي وواجب الإشراف
- مطالبة صريحة بلجنة تقصي حقائق أممية
- ولا طرحاً لسؤال “غضّ الطرف المتعمّد” بهذا الوضوح والصراحة الصحفية ؟ إذا ما الذي يميّز طرحنا لهذا الموضوع الإنساني الحساس عن أي تغطية سابقة ؟
نحن لا نقول شخصيا فقط “حدثت انتهاكات”، بل نطرح حقيقية ما تزال غائبة ومغيبة لهذا الحدث المأساوي الإنساني :
- سؤال الشرعية
- سؤال المسؤولية الأخلاقية قبل القانونية
- سؤال من كان يعلم بهذه الانتهاكات والاستعباد الجنسي للقصر من الفتيات الكرديات والعرب والأطفال المحتجزين قسرا في معتقلات وسجون ( قسد ) ولم يتحرك لغاية الآن بل غضى الطرف عمدا عن هذه الانتهاكات غير الإنسانية والوحشية
- والسؤال الاهم والمهم وتحذيرنا الاستباقي لمنع طمس الأدلة أو تصفية الشهود
وهذا بالضبط هو الفارق بين: تغطية إعلامية و ملف قابل للتحول إلى قضية رأي عام دولية !؟؟ وقد يتساءل البعض من القراء أو المهتمين بهذا الموضوع أذآ لماذا لم تتناول القنوات الإخبارية الكبرى سواء أكانت العربية أو العالمية الموضوع بهذا العمق؟
وبصراحة اكثر مهنية، لان هناك 4 أسباب معروفة في الصحافة الدولية ونعتقدها الأتي:
- (*) حساسية تورط أطراف دولية نافذة بهذا الموضوع بالأخص الاستعباد الجنسي إلى القاصرات والأطفال واتخاذ البعض منهم كأدوات احتياطية طبية لعوائل لأطفال الأثرياء والمتنفذين والسياسيين والملوك والرؤساء في مختلف دول العالم والذين يعانون أطفالهم من مشكلات طبية وأمراض معقدة تستوجب معها مقل أعضاء بشرية لأطفالهم !
- (*) غياب تحقيق أممي رسمي مستقل ومحايد ونزيه وشفاف حتى الآن (والإعلام الغربي غالباً ينتظر “مظلّة أممية” أو لان سياسة التحرير لديهم لا تسمح في الوقت الحالي عرض مثل تلك الملفات الخطيرة على الرأي العام العالمي
- (*) الأولية القصوى لنشر سردية “مكافحة داعش” على حساب ملفات حقوق الإنسان والاتجار بالبشر والقاصرات والأطفال على حساب الحقيقية الغائبة والمغيبة لغاية اليوم ؟. ولذا بدورنا سوف نتابع هذا الموضوع عن كثب لغرض كشف الحقائق كما هي للرأي العام
إعلامي وصحفي أستقصائي