الدين والسياسة سوء فهم مزمن

الدين والسياسة: سوء فهم مزمن

كتب رياض الفرطوسي

كلما ارتفع شعار (فصل الدين عن السياسة) في الفضاء العراقي، بدا وكأنه يُستعاد بوصفه إجابة جاهزة عن سؤال لم يُطرح بعد كما ينبغي. شعار أنيق، سهل التداول، يصلح للمنصات واللافتات، لكنه يفقد معناه حين يُنزَع من سياقه التاريخي والثقافي، ويُزرَع قسراً في بيئة لم تُنجز بعد شروط السؤال نفسه. كأننا نطالب بالفصل قبل أن نفهم طبيعة ما نريد فصله، وحدود كل مجال، ووظيفته في المجال العام.

أوروبا، التي تُستدعى دائماً كنموذج، لم تصل إلى صيغتها الراهنة بقرار إداري أو إعلان سياسي. هناك، تراكم الفكر قبل أن تستقر الدولة، وسال حبر الفلاسفة قبل أن تسيل دماء الثورات. لم يكن الإنجاز في فصلٍ آليٍّ بين الدين والسياسة، بل في نزع القداسة عن السلطة، وتحييد الدولة بوصفها مؤسسة خدمات وقانون، لا أداة خلاص ولا حارس عقيدة. بقي الدين حاضراً في القيم، وفي بعض القوانين، وفي أسماء أحزاب سياسية، لكنه خرج من موقع الإكراه إلى فضاء الاختيار. الإيمان شأن فردي، لا بطاقة تعريف، ولا ملفاً أمنياً، ولا شرطاً للمواطنة.

في المقابل، حين نلتفت إلى العراق، يتبدّل السؤال ويزداد التباساً : عن أي دين يجري الحديث حين يُطرح الفصل؟ وعن أي سياسة نتكلم؟
هل المقصود السياسة بوصفها إدارة عقلانية للشأن العام، أم ممارسات أنهكتها الصراعات، وأفرغتها التجارب القاسية من معناها المؤسسي؟
وهل الدين، في جوهره الأخلاقي والروحي، هو ما يُستحضَر في السجال العام، أم صورة اجتماعية مشوّهة استُخدمت فيها الرموز خارج مقاصدها، فانفصلت القيم عن التطبيق؟

السياسة، في معناها العميق، ليست حيلة ولا غلبة، بل مدرسة وتراكم وخبرة ومساءلة. هي القدرة على إدارة الاختلاف، وتنظيم الصراع، وتداول السلطة ضمن قواعد واضحة. السؤال المؤلم ليس في غياب الشعارات، بل في غياب هذا الإرث. ما يظهر في المشهد أقرب إلى نزاعات أحياء، وثقافة مقاهٍ، ونفوس مثقلة بعقد النقص، وجدت في السياسة تعويضاً عن عجز اجتماعي، لا أداة لخدمة الصالح العام.

وفي الجهة الأخرى، لا يدور الحديث عن الدين بوصفه منظومة القيم الكبرى: الرحمة، والحرية، وترك الحساب لله، بل عن صورة صاغتها بنية اجتماعية أبوية مغلقة، حوّلت الإيمان إلى أداة ضبط، والخوف إلى وسيلة تربية، والطاعة إلى فضيلة مطلقة. لم يحدث هذا لأن النصوص الدينية تفرضه، بل لأن القراءة الاجتماعية أعادت إنتاج الدين بوصفه نظام امتثال لا أفق أخلاقي. دين يراقب السلوك أكثر مما يوقظ الضمير، ويهتم بالشكل أكثر من المعنى، حتى بدا كأنه ظلّ للدين لا جوهره.

من هنا، يبدو الجدل حول فصل الدين عن السياسة أقرب إلى تمرين لغوي منه إلى سؤال واقعي. فالمشكلة لا تكمن في تداخل مجالين بقدر ما تكمن في ارتباك الوعي الذي يتعامل معهما. لغة سياسية بلا ثقافة سياسية، ورموز دينية تُستدعى خارج أفقها القيمي، وخطابات ثقافية محاصَرة بالإنشاء والضجيج أكثر مما هي معنية ببناء المعنى. في هذا السياق، لا تبدو الإشكالية في وجود الدولة أو ضرورتها، بل في تشكّل اجتماعي مرتبك لم يُنتج بعدُ علاقات واضحة بين المجتمع ومؤسساته، فتراكبت المرجعيات، واختلطت الأدوار، وبدا المشهد ككتلة واحدة يصعب تفكيكها بالشعارات.

الخطر الحقيقي لا يكمن في اجتماع الدين والسياسة، بل في ابتعادهما معاً عن معناهما. حين تُمارَس السياسة بلا عقل مؤسسي ولا رؤية، ويُستحضَر الدين خارج أفقه الأخلاقي والإنساني، يفرغ المجال العام من المعايير، وتصبح البدائل محدودة: توترات تتكرر، أو سرديات خلاص تُعاد صياغتها بوصفها حلولًا نهائية، بينما هي في الغالب إعادة إنتاج للأزمة بلغة مختلفة.

الدين والسياسة في السياق العراقي ليسا في صراعٍ حتمي، بل في سوء فهم مزمن. سوء فهم يبدأ من الخلط بين القيم والسلطة، بين الأخلاق والإكراه، بين الدولة والمجتمع. ومع ذلك، تبقى استعادة البوصلة ممكنة، متى ما أُعيد الاعتبار للعقل بوصفه أساس السياسة، وللأخلاق بوصفها جوهر الدين، وللثقافة باعتبارها الجسر الذي يضبط العلاقة بينهما. عندها فقط يمكن أن يتحول الخلاف من نزاع عقيم إلى نقاش منتج، وأن يُدار الاختلاف بوصفه مصدر قوة، لا تهديداً. فالمجتمعات لا تنقذها الصيحات العالية، بل قدرتها على مراجعة مفاهيمها، وتحرير معانيها، وبناء وعي يسمح لها بالخروج من دوائر الالتباس إلى أفق أكثر اتزاناً وإنسانية.