حُسبت للسيد مقتدى الصدر، ولا يمكن تجاوزها أو القفز عليها، تلك اللحظة المفصلية بعد انتخابات 2021 حين اختار الانسحاب بدل الارتهان، والانسحاب من الداخل لا من بوابات السفارات.

ضياء ابو معارج الدراجي

في انتخابات 2021 طلب السيد مقتدى الصدر من مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء حينها عدم خوض الانتخابات، مقابل وعود ببقائه على رأس السلطة التنفيذية، ثم خاض الصدر الانتخابات منفردًا وحصل على 73 مقعدًا، وشكّل ما عُرف بالتحالف الثلاثي مع الحلبوسي والبارزاني. تحالفٌ امتلك الأغلبية العددية لكنه افتقد القدرة الدستورية على الحسم، بعد أن اصطدم بجدار «الثلث المعطّل» الذي فعّله نوري المالكي داخل الإطار التنسيقي، فتعذّر انتخاب برهم او هوشيار رئيسا للجمهورية، رغم تمرير انتخاب الحلبوسي رئيسًا لمجلس النواب آنذاك، رغماً عن الإطار.

عند تلك اللحظة، كان بإمكان السيد مقتدى أن يذهب بعيدًا في لعبة الاستقواء بالخارج، أو أن يفتح أبواب الضغط الدولي والإقليمي لفرض معادلة كسر إرادات، لكنه لم يفعل. اختار الانسحاب الكامل من المشهد السياسي، انسحابًا صريحًا وواضحًا، دون أن يستعين بطرف خارجي، ودون أن يساوم على سيادة القرار، محتفظًا بما سمّاه مشروعه الوطني، من مقاطعة الانتخابات وعدم التدخل في تشكيل الحكومات اللاحقة. انسحب وترك خصومه يختبرون السلطة وحدهم، بكل ما فيها.

بعد ذلك، استطاع الإطار التنسيقي تشكيل الحكومة، واختيار رشيد رئيسا للجمهورية، ثم إقالة الحلبوسي من رئاسة مجلس النواب، وتكليف محسن المندلاوي برئاسة المجلس بالوكالة. مشهد اكتمل بأدوات داخلية، وبصراع عراقي–عراقي، بلا وسطاء ولا رعاة.

اليوم، تتكرر العملية بحذافيرها، لكن مع اختلاف الأسماء لا الأدوات. أولى الإشارات كانت عدم خوض حيدر العبادي، حليف السيد عمار الحكيم في تحالف «قوى الدولة»، الانتخابات، مقابل وعود وتطمينات بمنحه منصب «رئيس الوزراء التوافقي». وفي المقابل، كان هناك مشروع حلبوسي واضح للتحشيد السني، لا لانتزاع حقوق الشراكة، بل للمقايضة على منصب رئاسة الجمهورية.

فشل الحلبوسي قطف الثمرة التي حلم بها.وتم انتخاب «حلبوسي ثانٍ» بدل الأول لرئاسة مجلس النواب، وانسحب محمد شياع السوداني من سباق رئاسة الوزراء لصالح نوري المالكي محطما احلام العبادي ومن خلفه ليصبح الأخير على بُعد قاب قوسين أو أدنى من التكليف.

هنا تحديدًا انكشف الفارق الأخلاقي والسياسي. بدل القبول بالأمر الواقع، كما فعل السيد مقتدى الصدر عام 2021، وبدل الاعتراف بقواعد اللعبة الدستورية، انتقلوا مباشرة إلى «الخطة ب»: الاستعانة بالضغط الخارجي الأميركي والخليجي، لعرقلة تكليف المالكي، وجرّ القرار العراقي إلى خارج حدوده.

وما هو أكثر عيبًا وخطورة، اللجوء إلى أسلوب الرشاوى السياسية وتغليفها بإعلان ترامبي سخيف، في محاولة فاضحة لتغيير إرادة قرار سياسي عراقي، وكأن سيادة الدول تُشترى بتغريدة، أو يُعاد رسم مسارها عبر تصريح انتخابي عابر. هذا السلوك لا يسيء إلى خصوم المالكي فحسب، بل يسيء إلى فكرة الدولة العراقية نفسها، ويكشف خواء الخطاب الذي يتغنى بالديمقراطية وهو يطعنها من الخلف.

وقد أثبتت السنوات الماضية أن نوري المالكي رقمٌ صعب، سواء كان في السلطة أو خارجها، لاعبًا محوريًا ومتحكمًا قويًا بمفاصل القرار، لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه. وترشيحه هذه المرة لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة قناعة داخل الإطار التنسيقي بعدم تكرار تجربة محمد شياع السوداني، الذي انقلب على من جاء به بعد ثلاثة أشهر فقط، وأدار ظهره للتفاهمات التي أوصلته إلى المنصب.

لهذا، لن يفرّط الإطار التنسيقي هذه المرة بالمالكي، ولن يقبل بإدارته من خلف الستائر، بعد فشل تجربة “رئيس الواجهة” الذي يعمل بعكس الاتجاه. القرار هذه المرة واضح: قيادة في الواجهة الأمامية، لا دمى سياسية، ولا مغامرات محسوبة على الخارج.

وهنا تُحسب للسيد مقتدى الصدر، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا، أنه حين خسر معركة السلطة لم يخسر بوصلته الوطنية، ولم يحوّل العراق إلى ساحة رسائل. أما من يرفع اليوم شعار “الدولة” وهو يستدعي السفارات ويغازل العواصم، فمشكلته ليست مع المالكي، بل مع قواعد اللعبة نفسها.

ضياء ابو معارج الدراجي