من “جيش الاحتلال الكافر” إلى “المدرعات الصديقة”: تحولات الخطاب وسقوط الشعارات في المشهد السوري

رياض سعد

*مقدمة تحليلية:

لم يكن الخبر الذي تداولته وسائل الإعلام عن مرافقة القوات الأمريكية لقوات الأمن السورية عند دخولها مدينة الحسكة وانتزاعها من “قسد” خبرًا عابرًا، ولا مجرد تفصيل ميداني في حرب طويلة… ؛  بل هو لحظة كاشفة، تختصر سنوات من الشعارات، وتفضح طبقات عميقة من التناقض السياسي والديني والإعلامي في منطقتنا.

فهذا المشهد يعيد إلى الذاكرة سؤالًا مركزيًا: كيف تحوّل الوجود الأمريكي، الذي كان يُقدَّم يومًا باعتباره “احتلالًا صليبيًا كافرا” تجب مقاومته، إلى قوة تُستدعى اليوم لتثبيت الأمن، وتُرافق المدرعات، وتُدار معها العمليات الميدانية؟!

اثار الحدث ؛ ردود فعل معقدة وحادة، لا تكشف فقط عن تحولات جيوستراتيجية دراماتيكية على الأرض، بل تفضح أيضاً تناقضات عميقة في الخطابات والأيديولوجيات التي حكمت الصراع في سوريا والمنطقة لعقد من الزمان… ؛  فهذا الحدث ليس مجرد تطور ميداني عابر كما اسلفنا ، بل هو محطة مفصلية تعكس تحول الولاءات، وتعيد تعريف مفهوم “العدو” و”الحليف” في بيئة صراعية عدوانية سائلة، حيث تذوب المقدسات الأيديولوجية والدينية أمام حسابات المصالح والبقاء والعمالة والخيانة .

*التحليل السياسي: تحالفات متقاطعة وأطروحات منهارة/ ازدواجية الموقف وسقوط الخطاب الثوري

*انهيار الخطاب الثنائي: كان الخطاب السائد لدى فصائل المعارضة المسلحة , والحركات والتنظيمات السلفية والوهابية والاخوانية , والمجاميع الارهابية ، ولا سيما تلك ذات الخلفية السلفية الجهادية كـ”جبهة النصرة” (هيئة تحرير الشام لاحقاً) بقيادة أحمد الجولاني، يُصوّر الصراع على أنه حرب وجودية بين “جيش الإيمان” و”جيش الكفار” المتمثل بالأنظمة “الطائفية” وحليفتها الدولية (إيران وروسيا) من جهة، والقوى الغربية والصهيونية من جهة أخرى… ؛ حتى جاء التعاون الواضح اليوم بين فصائل تدّعي “الجهاد” والقوات الأمريكية، التي طالما وُصفت بأنها “قوى استعمار كافرة”، ليمزق هذا الخطاب إرباً، ويكشف أن سردية “الصراع الحضاري” كانت غطاءً مرحلياً، وأن القرار في النهاية هو قرار مصلحة سياسية وعسكرية بحتة مرتبطة بقوى الاستكبار العالمي … ؛ وما يُسمى بـ”الاستعانة بالمستعمر” اليوم يناقض رفض “المحتل” بالأمس، وهو تناقض يضع هذه الجماعات في مأزق شرعي وسياسي عميق.

لسنوات طويلة، رُفعت رايات “مقاومة المحتل”، وسُوّقت المعارك على أنها جهاد مقدس ضد الاستكبار العالمي… ؛ وتحت هذا العنوان الكبير، دُفعت مجتمعات كاملة إلى أتون العنف، وتحوّلت مدن إلى أنقاض، وسالت دماء لا تُحصى... ؛ لكن المفارقة المؤلمة أن كثيرًا ممن قدّموا أنفسهم قادة لهذا الخطاب، أو منظّرين له، هم أنفسهم الذين باتوا اليوم ينسّقون علنًا أو ضمنيًا مع القوى ذاتها التي كانوا يحرّضون الناس على قتالها... ؛ وهنا لا يمكن تجاهل التحول اللافت في مسار شخصيات وتنظيمات كانت تصنّف نفسها في خانة “المواجهة مع الغرب”، فإذا بها تنتهي في موقع التبعية السياسية والوظيفية، ضمن مشاريع إقليمية ودولية لا علاقة لها لا بالتحرير ولا بالسيادة، بل بإدارة الفوضى وتقاسم النفوذ.

إن ما يجري اليوم ليس انتصارًا لأي مشروع وطني أو قومي عروبي أو اسلامي ، بل هو إعادة توزيع للأدوار داخل منظومة الهيمنة نفسها.

* إعادة رسم الخرائط وتحالفات “العدو المشترك”: الحدث يؤكد قاعدة التحالفات غير الطبيعية في الحرب السورية: “عدو عدوي يمكن أن يكون حليفي”… ؛  الحكومة السورية، العدو الأساسي لهذه الفصائل الكردية بل والوجود الشيعي برمته ؛  تتعاون الآن بشكل غير مباشر مع القوات الأمريكية (العدو القديم في الخطاب) لتحقيق هدف مشترك مؤقت هو تقليص النفوذ الكردي (العدو الجديد أو المختلف عليه) ومن ثم الهجوم على الشيعة … ؛  هذا المشهد يذكر بالمفارقة العراقية السابقة ، حيث قاتلت جماعات سنية سلفية جهادية (تنظيم القاعدة لاحقاً داعش والعشائر … الخ ) القوات الأمريكية تحت شعار مقاومة المحتل، بينما تستقبل اليوم قواتها في سوريا كحليف لـ”تثبيت الأمن”… ؛ و الانقسام السني-الشيعي الذي استغلته هذه الجماعات الاجرامية والحركات والفصائل الارهابية في العراق لقتل مئات الآلاف من الشيعة وغيرهم “بحجة المحتل الأمريكي” ؛ يظهر اليوم وكأنه ورقة تضاءلت قيمتها أمام حسابات القوة والسيطرة الإقليمية والعمالة .

*الثمن الإنساني: ذاكرة لا تموت

وهنا تفرض الذاكرة نفسها بقسوة، لأن هذه “الأخبار الباردة” كلفتنا في أماكن أخرى دماءً لا تُعوّض.

نعم , هذه الكلمات القليلة التي تُكتب اليوم كخبر عادي، دفعنا ثمنها سابقًا أرواح مئات الآلاف من الأبرياء.

وجاءنا آلاف الانتحاريين – من 83 جنسية اجنبية – ليقتلوا جنودنا ورجالنا وشبابنا بحجة أنهم يتعاملون مع الجيش الأمريكي.

ترمّلت آلاف النساء، وتيتم أضعاف ذلك من أطفالنا.

دُمّرت مدننا، واستُبيحت أحياؤنا.

ومن بين من قدموا إلينا ليقاتلوا “جيش الكفار”، هو نفسه من يدعو اليوم جيش الكفار لمعاونته في تثبيت الأمن في بلده...!!

و القنوات العربية المأجورة ؛ والتي نشرت الخبر بهدوء ومهنية وحيادية ، هي ذاتها التي كانت تكتبه بطريقة أخرى حين يكون مكانه العراق… ؛ اذ كانت تصوغه بلغةٍ توحي بالفرح لاستهداف الجنود، حتى تكاد السعادة تخرج من بين الكلمات…!!

هنا يكتبون “مدرعات صديقة ”، وهناك كانوا يكتبون “جيش الاحتلال”.

من مقارعة “جيش الكفار” إلى الاستعانة به …!!

فسبحان مغير الأحوال… والكلمات… والأوصاف.

هذا ليس مجرد اختلاف في المصطلحات، بل اختلاف في المعايير الأخلاقية، وفي قيمة الدم العربي، تبعًا لموقع الجغرافيا وهوية الضحية...!!

* الدور الأمريكي: لاعب فوق الفوضى: تظهر الولايات المتحدة هنا كلاعب ماهر في إدارة الفوضى، قادر على التنسيق مع أطراف متناقضة (الأكراد عبر قسد، النظام السوري عبر روسيا، والفصائل المعارضة) لتحقيق أهدافها الأمنية والإستراتيجية المتمثلة في منع صعود قوى معادية لمصالحها بشكل كامل، وإدارة الصراع دون انخراط مباشر… ؛  دخول الحسكة نموذج مصغر لعملية إعادة ترتيب المرحلة، حيث يتم تقليم أظافر الحليف السابق (قسد) لصالح تحقيق توازن جديد يمنع سيطرة أي طرف بشكل كامل.

*الإعلام كأداة إعادة تشكيل الوعي

ما يزيد المشهد قتامة هو الدور الذي تلعبه بعض المنصات الإعلامية في إعادة تدوير السرديات حسب الطلب السياسي… ؛  نفس الحدث يُقدَّم كبطولة هنا، وكجريمة هناك… ؛  نفس القوة العسكرية تُوصَف مرة بالاحتلال، ومرة بالشريك الأمني.

الإعلام لم يعد ناقلًا محايدًا للوقائع، بل أصبح جزءًا من إدارة الصراع، يصوغ اللغة بما يخدم التحالفات المتغيرة، ويعيد تعريف “العدو” و”الصديق” وفق خارطة المصالح والولاءات .

*البعد الديني: حين يُستعمل المقدّس لتبرير المتغير

دينيًا، نحن أمام أزمة عميقة في توظيف النصوص والمفاهيم الدينية … ؛  فكم من مرة استُخدم الدين لتبرير القتل والاقتتال الداخلي، ثم جرى تجاوزه بالكامل عندما اقتضت الضرورة السياسية ذلك؟ّ!

المشكلة ليست في الدين، بل في تحويله إلى أداة تعبئة مؤقتة، تُستخرج عند الحاجة، وتُعاد إلى الأدراج عندما تتبدل التحالفات.

وهذا ما أنتج أجيالًا مشوشة، رأت التناقض بأعينها: من فتاوى “الجهاد ضد الأمريكي” إلى صور التنسيق العلني معه، بلا اعتذار، ولا مراجعة، ولا حتى اعتراف بالخطأ...!!

*التحليل الاجتماعي والديني: تكلفة بشرية وأزمات شرعية

1. الثمن الاجتماعي الباهظ: هذا الحدث يسلط الضوء على الجانب الإنساني المأساوي الذي غالباً ما يغيب وراء تغطية التحالفات السياسية… ؛  إنه يذكرنا بأن هذه التقلبات يقف وراءها دمار مجتمعات بأكملها: مئات الآلاف من القتلى، آلاف الأرامل واليتامى، ومدن محطمة… ؛  فالتحول من “قتال جيش الكفار” إلى “الدعوة لمعاونته” يطرح سؤالاً مرعباً للمجتمعات التي عانت: هل كان كل هذا الثمن ضرورياً؟! أم أنه كان نتيجة خطابات متطرفة وحسابات خاطئة؟!

2. أزمة الشرعية الدينية: هذا التحول يشكل صدمة شرعية للقاعدة الاجتماعية التي تأثرت بخطاب هذه الجماعات والفصائل والحركات السنية المتشددة  … ؛  كيف يمكن لتلك الجماعات التي بنت شرعيتها على مقاومة “الكفر” و”الاستعمار” أن تبرر الآن التنسيق معه؟!

 هذا يعمق أزمة الثقة بين القادة والجمهور، ويفتح الباب لتساؤلات حول مدى “توظيف” الدين لتبرير مشاريع سياسية بحتة ومؤامرات  مشبوهة … .

*خلاصة المشهد

ما حدث في الحسكة ليس حدثًا محليًا معزولًا، ولا مجرد تبادل للمواقع بين فصائل متنازعة ,  بل هي مرآة عاكسة لطبيعة الصراع في سوريا والمنطقة: صراع مصالح فوق كل الاعتبارات. لقد دفعت الشعوب ثمناً فادحاً من دمائها ومستقبلها على مذبح خطابات أيديولوجية متصلبة، تبين أنها مرنة وقابلة للانعطاف حسب رياح المصالح … ؛ بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانكسارات العربية والاسلامية ، حيث تتبدل الشعارات بسرعة، بينما يبقى الثابت الوحيد هو دم الشعوب، وخراب المدن، وضياع البوصلة.

إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الاحتلال الخارجي وحده، بل انهيار المعايير، وتطبيع التناقض، وتحويل الخيانة السياسية إلى “براغماتية”، والارتهان لقوى الاستكبار إلى “واقعية”.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة:

من يحاسب من؟

ومن يعتذر للأمهات، وللأيتام، وللمدن التي أُحرقت باسم معارك ثبت لاحقًا أنها كانت مجرد أوراق تفاوض؟

ومتى ستتوقف معاناة الناس وتضحياتهم عن كونها وقوداً لمشاريع سياسية متغيرة، وخطابات دينية مجندة، وتحالفات لا تعترف إلا بمنطق القوة والمنفعة العابرة؟

لقد غيرت السنوات العشر الأخيرة الخرائط والأحوال، وما تزال الحقيقة الأكثر قسوة هي أن تتهاوى الكلمات المقدسة والأوصاف الثابتة، بينما تبقى الجثث والأطلال شاهدة على فداحة الثمن.