د. فاضل حسن شريف
9255- تكملة للفقرة 9254: قال الأزهري في باب التفضيل: “إنّ صحة وقوع المرادف موقع مرادفه، إنّما يكون إذا لم يمنع من ذلك مانع، وها هنا منع مامنع، وهو الإستعمال، فإنّ إسم التفضيل، لا يصاحب من حروف الجر إلاّ “من” خاصة، وقد تحذف مع مجرورها للعلم بها نحو: “وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى” (الأعلى 17)””. ثمّ إنّ الرازي اختار أنّ المولى في الحديث بمعنى “الناصر”، مع أنّ ما أورده على القول بأنّه بمعنى “الأولى”، وارد عليه، فلايقال في اللغة العربية، “هو مولى دين الله”، مكان “”ناصر””، ولا يصحّ تبديل قوله: “”مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ” (آل عمران 52). إلى “من مواليّ الله”، أو تبديل الحواريين: “نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ” (آل عمران 52) إلى “نحن موالي الله”. هذه الحالة مطّردة في كثير من المترادفات التي جمعها الرّماني (م 384) في تأليف مفرد، مع أنّ اختلاف الكيفية حاكم عليها أيضاً، مثلاً يقال: عندي درهم غير جيد، ولا يصحّ أن يقال: عندي درهم إلاّ جيد، كما هو السائد في كلمة “هل” و “همزة الإستفهام”، فإنّهما بمعنى واحد، ولكن يفترقان بفروق ثلاثة، أو خمسة، أو ستة. ولما كان الإشكال ضئيلاً، قال النيسابوري، في تفسيره “بعد نقل كلام الرازي، إلى قوله: وحينئذ يسقط الإستدلال به”: “قلت: وفي هذا الإسقاط بَحْثٌ لا يخفى”. ولما وقف التفتازاني على تمامية دلالة الحديث على الإمامة، حاول رمي الحديث بعدم التواتر، قال “”في دلالة الحديث””: “المولى” قد يراد به المعتِق، والمعتَق، والحليف، والجار، وابن العم، والناصر، والأولى بالتصرف، قال الله تعالى: “مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ” (الحديد 15)، أي أولى بكم، ذكره أبوعبيدة، قال النبي: “أيما إمرأة أنكحت نفسها بغير إذن مولاها”، أي الأولى بها، والمالك لتدبير أمرها، ومثله في الشعر كثير. وبالجملة استعمال المولى بمعنى المتولي، والمالك للأمر، والأولى بالتصرف، شائع في كلام العرب، منقول عن كثير من أئمة اللغة، والمراد أنّه اسم لهذا المعنى، لا صفة بمنزلة الأولى ليعترض بأنّه ليس من صيغة اسم التفضيل، وأنّه لا يستعمل استعماله، وينبغي أن يكون المراد به في الحديث هو هذا المعنى، ليطابق صدر الحديث، ولأنّه لا وجه للخمسة الأول، وهو ظاهر، ولا للسادس لظهوره، وعدم احتياجه إلى البيان وجمع الناس لأجله”. إلى أن قال: “و لا خفاء في أنّ الولاية بالناس، والتولّي، والمالكية لتدبير أمرهم، والتصرّف فيهم، بمنزلة النبي، وهو معنى الإمامة”. هذا من غير فرق بين تفسير مَفّعَلْ بأَفْعَل، أي المولى بمعنى أَوْلى، أو تفسيره بفَعيل، أي الولي، وقد نصّ على ذلك أئمة العربية منهم الفراء في تفسيره، وأبو العباس المُبَرّد، قالا: “الولي والمولى، بمعنى في لغة العرب واحد”. قال في الصحاح: والولي كل من ولي أمر واحد، فهو وليّه، وقول الشاعر: هُمُ المَوْلى وإن جَنَفوا علينا * وإنّا من لقائهم لزورُ. وقال في النهاية: “و كُلّ من ولي أمراً أو قام به فهو مولاه ووليه”. وقال الفيروز آبادي، في قاموسه: “المَوْلى: المالِك، والعبد، والمعتق، والولي، والربّ”.
9256- تكملة للفقرة 9255: ليس للمولى إلاّ معنى واحد: إنّ السابر في كتب اللغة يرى أنّهم يذكرون في تفسير “المولى” أموراً، يبدو أنّها معان مختلفة له، مثلاً يقول صاحب القاموس: “المولى: المالك،العبد، والمعتق، والمعتَق، والصاحب، والقريب كابن العم ونحوه، والجار، والحليف، والإبن، والعمّ، والنّزيل، والشّريك، وابن الأُخت، والوَليّ،الربّ، والناصر، والمُنْعِم، والمنعَم عليه، والمحبّ، والتابع، والصِّهر”. والحق أنّه ليس للمولى إلاّ معنى واحد وهو الأولى بالشيء، وتختلف هذه الأولوية بحسب الإستعمال في كل مورد من موارده، والإشتراك معنوي، وهو الأولى من الإشتراك اللفظي المستدعي لألفاظ كثيرة غير معلومة بنصّ ثابت والمنفية بالأصل المحكّم، وهذه النظرية أبدعها ابن البطريق الحلّي (ت 533 – م 600). وهذا المعنى الواحد، وهو الأولى بالشيء جامع لهاتيك المعاني جمعاء، ومأخوذ في كلّ منها بنوع من العناية، ولم يطلق لفظ المولى على شيء منها إلاّ بمناسبة لهذا المعنى: 1- فالمالك أولى بكلاءة مماليكه، وأمرهم، والتصرف فيهم. 2- والعبد أولى بالإنقياد لمولاه من غيره. 3- والمعتق (بالكسر) أولى بالتفضيل على من أعتقه من غيره. 4- والمعتق (بالفتح) أولى بأن يعرف جميل من أعتقه عليه ويشكره. 5- والصاحب، أولى بأن يؤدّي حقوق الصحبة من غيره. 6- والقريب، هو أولى بأمر القريبين منه، والدفاع عنهم، والسعي وراء صالحهم. 7- والجار، أولى بالقيام بحفظ حقوق الجوار كلّها من البعداء. 8- والحليف، أولى بالنهوض بحفظ مَنْ حالفه، ودفع عادية الجور عنه. 9- والإبن أولى الناس بالطاعة لأبيه والخضوع له. 10- والعم ّ، أولى بكلاءة إبن أخيه، والحنان عليه، وهو القائم مقام والده. 11- والنّزيل، أولى بتقدير من آوى إليهم ولجأ إلى ساحتهم، وأمن في جوارهم. 12- والشريك أولى برعاية حقوق الشركة وحفظ صاحبه عن الأضرار. 13- وابن الأُخت، أولى الناس بالخضوع لخاله الذي هو شقيق أُمه. 14- والولي، أولى بأن يراعي مصالح المُوَلّى عليه. 15- والناصر، أولى بالدفاع عمّن التزم بنصرته. 16- والربّ، أولى بخلقه من أي قاهر عليهم. 17- والمنعم (بالكسر) أولى بالفضل على من أنعم عليه، وأن يتبع الحسنة بالحسنة. 18- والمنعم عليه، أولى بشكر منعمه من غيره. 19- والمحب، أولى بالدفاع عمّن أحبّه. 20- والتابع، أولى بمناصرة متبوعه ممّن لا يتبعه. 21- والصهر، أولى بأن يرعى حقوق من صاهره، فشدّ بهم أزره، وقوي أمره. إلى غير ذلك من المعاني التي هي أشبه بموارد الإستعمال. والأولوية مأخوذة فيها بنوع من العناية. إلى هنا قد ظهر أنّ المولى في الحديث الشريف بمعنى الأولى، أو بمعنى الولي، وأنّ ما ذكر للمولى من المعاني المختلفة، فليس من قبيل المعاني المختلفة، حتى يحتاج تفسير المولى بالأولى إلى قرينة معيّنة، بل من قبيل المصاديق. هذا كلّه في الطريق الأول.
9257- تكملة للفقرة 9256: الطريق الثاني: الدلالة بالقرائن: إنّ القرائن الحافة بالحديث تدلّ على أنّ المراد من المولى هو الأولى أو الولي، وهي على قسمين: قرائن حالية وقرائن مقالية: والمراد من الأولى، ما احتف به الكلام الصادر من النبي الأكرم، من ظروف زمانية ومكانية. والمراد من الثانية ما يتصل بالكلام نفسه من الجمل والعبارات. أمّا القرائن الحالية، فبيانها بكلمة جامعة أنّا لو فرضنا أنّ لفظ المولى مشترك بين المعاني التي تلوناها عليك، إلاّ أنَّه لا يمكن إرادة غيره في المقام، إمّا لاستلزامه الكفر، كما إذا أريد منه الرب. أو الكذب، كما إذا أُريد منه العم، والإبن، وابن الأُخت، والمعتِق، والمعتق، والعبد، والمالك، والتابع، والمُنْعَم عليه، والشَريك، والحليف، وهو واضح لمن تدبر فيه. وأمّا الصاحب، والجار، والنزيل، والصّهر، والقريب، فلا يمكن إرادة شيء من هذه المعاني، لسخافته، لا سيما في هذا المحتشد الرهيب، وفي أثناء المسير، ورمضاء الهجير، وقد أمر صلى الله عليه وآله وسلم بحبس المتقدم في السير، ومنع التالي منه، في محلّ ليس صالحاً للنزول، غير أنّ الوحي الإلهي، حبسه هناك، فيكون صلى الله عليه وآله وسلم قد عقد هذا المحتفل، والناس قد أنهكتهم وعثاء السفر، وحرّ الهجير، وحراجة الموقف، حتى أنّ أحدهم ليضع طرفاً من ردائه تحت قدميه، وطرفاً فوق رأسه، فيرقى هنالك منبر الأهداج، ويُعْلِمُهم عن الله تعالى بأنّه من كان هو صلى الله عليه وآله وسلم مصاحباً أو جاراً أو نزيلاً عنده، أو صهراً أو قريباً له، فعليّ كذلك. وأمّا المنعم، فلا ملازمة بين أن يكون كلّ من أنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعليّ منعم عليه. وأمّا الناصر والمحب، فسواء كان كلامه صلى الله عليه وآله وسلم، إخباراً أو إنشاء، فاحتمالان ساقطان، إذ ليسا بأمر مجهول عندهم، لم يسبقه التبليغ حتى يأمر به في تلك الساعة، ويحبس له الجماهير، ويعقد له ذلك المنتدى الرهيب، في موقف حرج، لا قرار فيه. فلم يبق من المعاني إلاّ الولي، والأولى به، والمراد منه المتصرف في الأمر ومتوليه. ذكر الرازي في تفسير قوله تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ” (الحج 78)، قال: قال القفال: “هو مولاكم، سيّدكم والمتصرّف فيكم”. فتعين أنّ المراد بالمولى: المتصرّف، الذي قيّضه الله سبحانه لان يُتَّبع، ويكون إماماً، فيهدي البشر إلى سنن النجاة فهو أولى من غيره بأنحاء التصرف في المجتمع الإنساني، فليس هو إلا نبي مبعوث أو إمام مفترض الطاعة منصوص به من قبله تعالى، بأمر إلهي، لا يبارحه في أقواله وأفعاله: “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى” (النجم 3-4).