د. فاضل حسن شريف
جاء في الموسوعة الحرة عن انقلاب 14 تموز أو ثورة 14 تموز: تردي العلاقات مع القاهرة: لم تكن سياسة قاسم الخارجية مبنية على أساس واضح المعالم منطلقة من أساس فكري ولا من برنامج عمل منظم، فقد تميزت بالكيفية والمزاجية منطلقة من (الانا) أو النرجسية الذي ميزت حقبة قاسم انعكس ذلك بقوة في وضع نفسه وضع منافس ومعارض ثم خصم وند للرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة ليس في مصر فقط بل في العراق ومجمل بلدان الوطن العربي لأسباب تتعلق بنجاحه في قيام الجمهورية في مصر وتحويلها إلى بلد مناهض للهيمنة الغربية وقيامه بتاميم قناة السويس عام 1956 وصد العدوان الثلاثي ودعوته لقيام اتحاد عربي باسم الجمهورية العربية المتحدة. حاول قاسم الظهور بمظهر زعيم الامة العربية حيث حاول منافسة عبد الناصر بدعم ثورة الجزائر ودعم المغرب وطالب بضم الكويت ليس بصيغة الوحدة العربية المتكافئة بل بأسلوب ضمها إلى العراق عندما أرسل برقية إلى شيخ الكويت في 20/6/1961 يبلغه بها إلغاء اتفاقية 1899 الموقعة بين بريطانيا وقائمقام الكويت، ابلغه ان الكويت أرض عراقية وقد عقد مجلس الوزراء العراقي عدة جلسات لمناقشة كيفية احتلال الكويت، الاان طلب بريطانيا تعليق الموضوع حسم الموقف لاسيما وان القوات البريطانية كانت رابضة على مقربة من الكويت في البحرين. اما الكويت فمن جانبها قدمت شكوى للجامعة العربية التي قررت حلها ضمن اروقة الجامعة العربية مما أدى إلى امتعاض قاسم و(زعله) حيث لم يجد صدى لزعامته العربية فقرر الانكفاء وعزل العراق عن محيطه العربي والإسلامي. وقد غلبت على سياسته الخارجية بتبني مواقف مناقضة أو منافسة لسياسة عبد الناصر حيث الغى عبد الكريم قاسم عضوية العراق في جامعة الدول العربية واسائت علاقات العراق مع أغلب الدول العربية لأسباب غامضة. واخذ بدلا عن ذلك بتنمية علاقاته مع المعسكر الشيوعي بنائا على مشورة الحزب الشيوعي الذي طالما لعب دورا في سياسة قاسم الداخلية والخارجية.
تقييم حركة 1958: وعلى الصعيد الخارجي، أثرت السياسات والصراعات الداخلية على المواقف العربية، فبدأ الحكم الملكي يتخذ مواقف هدفها تنفيذ المصالح البريطانية في المنطقة على حساب مصالح بعض الدول العربية، مثل عدم الجدية في الوقوف مع القضايا العربية التي تمس الأمن الوطني العراقي، وخسارة الحرب الفلسطينية الأولى عام 1948، على الرغم من المشاركة الواسعة والفاعلة للجيش العراقي، إلا أن تدخل الحكومات قوض النصر الحاسم في المعركة. وكذلك عدم الجدية بالوقوف مع مصر في العدوان الثلاثي عليها، وحملة العداء على سوريا، والتوتر مع السعودية. اتفق الضباط الوطنيون على جملة مبادئ صيغت في ميثاق العمل الوطني من أهمها تشكيل مجلس السيادة ليتراس الدولة بصورة مؤقتة، يتمتع بسلطة رئيس الجمهورية وبكامل صلاحياته، ريثما يستفتى الشعب وخلال ستة أشهر لانتخاب منصب رئيس الجمهورية ويضم أعضاء من تنظيم الضباط الوطنيين وعضوية شخصيات وطنية. وأهم المبادئ التي أقرها التنظيم هي ضرورة إعلان الجمهورية وإلغاء الملكية، وتشكيل حكومة من الضباط والسياسيين الوطنيين من مختلف الفئات والتيارات الممثلة للمجتمع العراقي، وكذلك إعلان تشكيل مجلس تشريعي يدير البلاد باسم المجلس الوطني لقادة الثورة ويكون في عضويته تنظيم الضباط الوطنيين، وإعلان حل مجلسي النواب والأعيان والدعوة لانتخابات برلمانية جديدة لانتخاب أعضاء جدد للمجلسين، إضافة إلى فسح المجال للأحزاب الوطنية بالعمل على التمسك بالوحدة الوطنية العراقية الكاملة لكافة الأعراق والطوائف والقوميات بتآخٍ من خلال منح حقوق جميع فئات الشعب الثقافية. كما أكدوا على مبدأ الأخوة مع الدول العربية والإسلامية. وأعلنوا أن العراق يسعى إلى تحرير اقتصاده من خلال تأميم ثرواته وخصوصًا النفطية، وأن العراق دولة من دول عدم الانحياز ولا يتكتل أو يتحالف مع أي من القوى العظمى، ومناهضة المد الشيوعي التواق للهيمنة على العالم سياسيًا واقتصاديًا. كما أعلن قادة الحركة أن الجمهورية العراقية تكفل حرية العمل الصحفي، وذلك بمنح الصحف الأجنبية والمحلية بالعمل، كما يحترم العراق حق الأديان ويعتبر الإسلام أساس التشريع في الدولة والقانون.
جاء في موقع الاتحاد الوطني الكردستاني عن 14 تموز انعطافة سياسية في تاريخ العراق: مطالبة الشعب بتحمل الظلم: يعتقد البعض أنه صحيح لم يكن العهد الملكي مثالياً، ولكن كان على الجماهير والأحزاب السياسية أن تتريث، وتصبر، فنوري السعيد لا بد وأن يموت في يوم من الأيام فيحل بعده الربيع!. أولاً لم يطالب أحد من السلطة في العهد الملكي أن تكون مثالية، بل كل ما كان مطلوباً منها أن تخفف من سياسة القمع، وأن تتبنى سياسة التفاهم والإقناع والمشاركة بدلاً من القمع والاضطهاد وإن كان هذا القمع أقل بكثير مما في عهد صدام حسين، ولكن من هو هذا المنجم العالم بالغيب، الذي يستطيع أن يتنبأ أنه سيأتي في المستقبل نظام دموي كالنظام البعثي الصدامي؟ ومن بإمكانه أن يثبت لنا أنه لولا ثورة 14 تموز لما حصلت ثورة أخرى أو انقلاب عسكري آخر وبالتالي يؤدي إلى ظهور هذا النظام الدموي؟ إذ تشير بعض الدراسات إلى إنه كانت هناك مجموعات أخرى من الضباط المسَيَّسين من البعثيين وغير البعثيين في العهد الملكي، تخطط للانقلاب، (راجع هاني الفكيكي، أوكار الهزيمة). لا يمكن مطالبة الشعب بالسكوت على الظلم وعدم الثورة خوفاً من احتمال أن يكون البديل أسوأ كما تبيّن فيما بعد، لأن الأمور تتقرر في أوقاتها، وهذا الاحتمال موجود دائماً. فبالنسبة لنظام صدام حسين مثلاً، هل من المنطق السكوت عن نظامه لأن هناك احتمال الأسوأ؟ إن هذا الكلام يفنده منطق التاريخ، فيناقش الراحل علي الوردي في كتابه القيم (منطق إبن خلدون). وإبن خلدون هذا كان لا يعترف إلا بالثورات الناجحة. ويحاجج الوردي موقف إبن خلدون قائلاً: “لو اتبع الثوار هذا المبدأ الخلدوني منذ قديم الزمان لما ظهر في الدنيا أنبياء ولا زعماء ولا مصلحون، ولصار الناس كالأغنام يخضعون لكل من يسيطر عليهم بالقوة، حيث يمسي المجتمع بهم جامداً يسير على وتيرة واحدة جيلاً بعد جيل”. ويضيف: “وقد غفل إبن خلدون عن ناحية أخرى من تاريخ الثورات. فالثورة قد ينتهي أمرها إلى الفشل ولكنها على الرغم من ذلك قد تكون ذات أثر اجتماعي نافع. إنها قد تحرك الرأي العام وتفتح أذهان الناس إلى أمر ربما كانوا غافلين عنه. وكثيراً ما تكون الثورات الفاشلة تمهيداً للثورة الناجحة التي تأتي بعدها. حيث تكون كل واحدة منها بمثابة خطوة لتمهيد الطريق نحو الثورة الأخيرة”. خلاصة القول: ما حصل يوم 14 تموز كان ثورة وطنية أصيلة وحتمية فرضتها ظروف موضوعية وتاريخية ملحة. وكانت الثورة حصيلة نضالات جماهير شعبنا منذ ثورة العشرين، مروراً بالانتفاضات الشعبية والوثبات الوطنية لتحقيق الاستقلال السياسي الكامل والسيادة الوطنية والديمقراطية. وكانت السلطة الملكية ديمقراطية في المظهر وديكتاتورية في الجوهر وبواجهة برلمانية مزيفة، وقد استنفد دورها وصارت عقبة كأداء أمام التطور الحتمي بحكم التاريخ، وقضت على أي أمل في إجراء التغيير المطلوب بالطرق السلمية. لذلك لم يبق أمام قيادات القوى الوطنية والأحزاب السياسية وتنظيمات الضباط الأحرار سوى اللجوء إلى القوة، خاصة وقد توفرت لها الشروط الموضوعية والعوامل الذاتية لتحقيق التغيير التاريخي المطلوب بالثورة المسلحة. وتبقى ثورة 14 تموز 1958 المجيدة ملحمة من ملاحم شعبنا الخالدة في تاريخه المجيد، ومهما حاول أعداء شعبنا إغفالها وتحميلها مسؤولية جرائم البعث، ستبقى حية في وجدان وضمير شعبنا، فالحق يعلو ولا يعلى عليه.
عن موقع العربي الجديد كيف نتذكّر ثورة 14 تموز في العراق للكاتب عوني القلمجي: كان يوم الثورة مشهودا، حيث خرج عموم الشعب العراقي إلى الشوارع من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، يكبر باسم الثورة وبأسماء زعمائها. في حين عمّ الحزن والهلع في معسكر الدول الاستعمارية، حيث أصدرت الولايات المتحدة أوامرها في اليوم التالي، 15 يوليو/ تموز، بإنزال قوات الأسطول السادس الموجود في البحر المتوسط في لبنان، للتأهب للدخول إلى بغداد وإعادة النظام الملكي. وأنزلت بريطانيا قواتها في الأردن للغرض نفسه بعد ثلاثة أيام من اندلاع الثورة، إضافة الى إعلان حالة الإنذار لقطعاتها العسكرية في الخليج، وخصوصا في الكويت والبحرين. أما موقف الشارع العربي من الثورة، وخصوصا القوى التحرّرية والوحدوية، فقد كان مؤيدا ومساندا، فانطلقت مظاهرات التأييد، وألقيت الخطب الحماسية في التجمعات والساحات في عموم البلاد العربية. على الرغم من خلافات حدثت بين قادة الثورة، وخصوصا بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، وعلى الرغم من تحوّل هذه الخلافات الى صراع انتهى بقيام العقيد الركن عبد الوهاب الشواف بانقلاب فاشل أدى إلى إعدام بعض قادة الثورة، على الرغم من ذلك كله، حققت ثورة 14 تموز إنجازات مهمة وتحولات كبيرة في المجتمع العراقي، ما زالت تأثيراتها باقية. على الصعيد الداخلي أقامت النظام الجمهوري، وأعلنت الخروج من حلف بغداد وإلغاء الاتفاقيات والمعاهدات الجائرة. وشجعت على تفجير الوعي السياسي لدى الجماهير الشعبية الواسعة التي كانت محرومة من المساهمة العلنية في النشاطات السياسية. وبذلك رفع مستوى الوعي لدى الجماهير بحقوقها وواجباتها الوطنية، لتنغمر في نشاطات الأحزاب وتحقيق حرية التعبير والتفكير والعمل النقابي والسياسي والثقافي، وذلك بصدور قانون الجمعيات عام 1961، والذي بموجبه أجيز ما يقارب من 700 جمعية، بالإضافة الى إجازة الأحزاب المؤمنة بالديمقراطية. كما جرى إلغاء الطائفية التي مورست خلال الحكم العثماني وبدايات العهد الملكي، الأمر الذي أدى إلى تعزيز مقومات الهوية الوطنية العراقية. كما ألغت الثورة سياسة الانحياز نحو الغرب والأحلاف العسكرية، التي تبنّاها النظام الملكي، وأدّت إلى إضعاف العراق عسكرياً، لأن الدول الغربية لم تزوِّد العراق بالسلاح خلال تلك الفترة. حيث كشفت ثورة 14 تموز أن العراق لم يكن يملك حتى شبكة رادار، بالرغم من أنه عضوٌ في حلف بغداد. أما سياسة الحياد التي تبنّاها النظام الجمهوري، فقد أدت إلى حصول العراق على الأسلحة من المعسكرين الشرقي والغربي.