د. فاضل حسن شريف
9373- عن منتدى الكفيل كيف كان لقاء جبرائيل للنبي صلى الله عليه وآله؟ 1 – كان يستأذن على النبي صلى الله عليه وآله. 2 – كان يقعد بين يديه كما يقعد العبد. 3 – كان يأتي إليه في صورة الآدميين إلا مرتين. 4 – كان يأتي إليه على صورة دحية الكلبي. 5 – في مسجد النبي صلى الله عليه وآله مقام اسمه مقام جبرائيل عليه السلام يستحب الدعاء فيه. وقبل أن نتكلم حول هذه النقاط لابد من الإشارة إلى أن هذه أمور توقيفية، فلابد من الرجوع فيها إلى الروايات الواردة في بيانها، فنقول: أدب جبرائيل: روى المحدث الحر العاملي بسند صحيح عن معاوية بن عمار أنه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ائت مقام جبرائيل عليه السلام – وهو تحت الميزاب، فإنه كان مقامه إذا استأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله فقل الخ. وروى أيضا عن عمر بن يزيد قال: حاضت صاحبتي وأنا بالمدينة – إلى أن قال: – فذكرت ذلك لأبي عبد الله عليه السلام فقال: مرها فلتغتسل، ولتأت مقام جبرائيل عليه السلام، فإن جبرائيل كان يجئ فيستأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله فإن كان على على حال لا ينبغي له أن يأذن له قام في مكانه حتى يخرج إليه، وإن أذن له دخل عليه الخ. وفي البحار للمحقق المجلسي نقلاً عن الشيخ الصدوق في عقائده قوله: اعتقادنا في نزول الوحي من عند الله عز وجل فأما جبرائيل عليه السلام فإنه كان لا يدخل على النبي صلى الله عليه وآله حتى يستأذنه إكراماً له، وكان يقعد بين يديه قعدة العبد. وقد أخذه من الروايات المصرحة بذلك، مثل ما رواه في علل الشرائع: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الله البرقي، قال: حدثني أبي عن جده أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن عمرو بن جميع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان جبرائيل عليه السلام إذا أتى النبي صلى الله عليه وآله قعد بين يديه قعدة العبد، وكان لا يدخل حتى يستأذنه. وفي البحار نقلا عن كمال الدين للشيخ الصدوق: سئل الصادق عليه السلام عن الغشية التي كانت تأخذ النبي صلى الله عليه وآله أكانت تكون عند هبوط جبرائيل؟ فقال: لا، إن جبرائيل إذا أتى النبي صلى الله عليه وآله لم يدخل عليه حتى يستأذنه، فإذا دخل عليه قعد بين يديه قعدة العبد، وإنما ذلك عند مخاطبة الله عز وجل إياه بغير ترجمان وواسطة. حدثنا بذلك ابن إدريس عن أبيه عن جعفر بن محمد عن محمد بن الحسين بن زيد عن الحسين بن علوان عن عمر بن ثابت عن الصادق عليه السلام. وفي البحار أيضا نقلا عن أمالي الشيخ الطوسي: أنه روت جماعة عن أبي المفضل عن عدة (قد سماهم) عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يغدو إليه علي عليه السلام في الغداة، وكان يحب أن لا يسبقه إليه أحد، فإذا النبي صلى الله عليه وآله في صحن الدار، وإذا رأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي، فقال: السلام عليك، كيف أصبح رسول الله؟ قال: بخير يا أخا رسول الله – إلى أن قال: – فأخذ رأس النبي صلى الله عليه وآله فوضعه في حجره (أي حجر علي) فانتبه النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما هذه الهمهمة، فأخبره الحديث، فقال: لم يكن دحية، كان جبرائيل، سماك باسم سماك الله تعالى به الخ. وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن جبرائيل كان يعظم النبي ويكرمه غاية الإكرام، حتى أنه ليضع رأسه في حجره لينام.
9374- تكملة الفقرة 9373: الوحي على نوعين: هذا وقد نطقت الأخبار الكثيرة بأنه إذا كان الوحي للنبي صلى الله عليه وآله بواسطة جبرائيل فلا يثقل الوحي على النبي صلى الله عليه وآله ولا تصيبه السبتة. فقد روى الشيخ أبو جعفر البرقي في العلل من المحاسن عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتاه الوحي من الله وبينهما جبرائيل يقول: هو ذا جبرائيل، وقال لي جبرائيل، وإذا أتاه الوحي وليس بينهما جبرائيل تصيبه تلك السبتة، ويغشاه منه ما يغشاه لثقل الوحي عليه من الله عز وجل. وعن الشيخ الصدوق في التوحيد بإسناده عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، الغشية التي كانت تصيب رسول الله صلى الله عليه وآله إذا نزل عليه الوحي؟ قال: فقال: ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذلك إذا تجلى الله له. قال: ثم قال: تلك النبوة يا زرارة، وأقبل يتخشع. وفي صحيح البخاري: حدثنا فروة حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل النبي صلى الله عليه وآله: كيف يأتيك الوحي؟ قال: كل ذلك يأتي، الملك أحيانا في مثل صلصلة الجرس فيفصم عني، وقد وعيت ما قال، وهو أشده علي، ويتمثل لي الملك أحيانا رجلا، فيكلمني فأعي ما يقول. روى مثله مسلم والبيهقي، وفي الطبقات والبداية والنهاية قريب منه أيضا. وروى في الطبقات عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عمه أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبرائيل فيلقيه علي كما يلقي الرجل على الرجل فذلك يتفلت مني، ويأتيني في شئ مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي، فذاك الذي لا يتفلت مني. ويستفاد من هذه الأحاديث أن الغشية إنما كانت تصيبه لو لم يكن جبرائيل بينه وبين الله عز وجل، أما إذا كان جبرائيل فلا يصيبه شئ من ذلك، وهذه النقطة وهي حصول السبتة والغشية له صلى الله عليه وآله لو لم يكن جبرائيل – لابد من بحثها وتمحيصها، ولسنا الآن في صدد ذلك، وإنما ذلك له محل آخر. فما روي في طبقات ابن سعد مطلقا من أنه صلى الله عليه وآله إذا أوحي إليه وقذ لذلك كهيئة السكران – ولا يخفى ما في هذا التعبير من الإساءة إلى قدس رسول الله صلى الله عليه وآله أو فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض، ولا يتثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد – كما عن مسند أحمد غير مقبول، ولابد من حمله على صورة ما لو لم يكن جبرائيل هو الواسطة بينه صلى الله عليه وآله وبين الله سبحانه. وما عن أبي عوانة في صحيحه بعد قوله صلى الله عليه وآله “وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول”: وهو أهونه علي يشهد ويدل على أن تكليم جبرائيل كان أهون الوحي وأسهله على النبي صلى الله عليه وآله.
9375- تكملة الفقرة 9374: لماذا السبتة؟ ولعل حصول السبتة وعروض الغشية له صلى الله عليه وآله إذا كان الوحي بلا واسطة – إن صحت – لعلها من جهة رؤيته صلى الله عليه وآله عظمة الله وجلاله، وقد قدمنا رواية الشيخ الصدوق عن أبي عبد الله عليه السلام والتي فيها أن تلك الغشية إنما هي إذا تجلى الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله، أي ظهر أمره وجلاله وعظمته لا أنه ظهر بنفسه، فإن رؤيته محال على ما حقق في محله، وليس هذا إلا على حد قوله تعالى: “فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ” (الأعراف 143). أي تجلى بنوره، كما عن ابن عباس على ما في مجمع البيان. وقال في تفسير الجلالين: أي ظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر، كما في حديث صححه الحاكم. على أي صورة كان يأتي جبرائيل؟ بقي الكلام في أنه هل كان جبرائيل يأتي النبي صلى الله عليه وآله على صورته الأصلية أم أنه كان تارة يأتيه على صورة الآدمي وأخرى على صورته الأصلية؟ وأيضا إذا كان يأتيه على صورة الآدمي فهل كان يأتيه على هيئة شخص معين أم أنه أتاه على صور أشخاص متعددين؟ وإذا فرضنا أنه كان يأتيه على هيئة رجل خاص فمن هو ذلك الرجل الذي كان يأتيه جبرائيل على هيئته؟ فلابد لنا من الإشارة باختصار إلى حقيقة الأمر في هذه الناحية، فنقول: إن المستفاد من الروايات والأقوال أنه عليه السلام جاء على صورة دحية بن خليفة الكلبي، إلا مرتين جاء فيهما على صورته الأصلية، على ما في تفسير الصافي للفيض رحمه الله قال فيه: وروي: ما رآه – أي جبرائيل – أحد من الأنبياء في صورته غير محمد، مرة في السماء، ومرة في الأرض. وقد تعرض الشيخ الطبرسي في مجمع البيان لهما عند تعرضه لتفسير الآية المباركة: “أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى” (النجم 12-13). قال رحمه الله: أي رأى جبرائيل في صورته التي خلق عليها. وقال عند تفسيره “عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى” (النجم 5-6): أي جبرائيل على صورته التي خلق عليها – إلى أن قال: – قالوا (لعله يقصد الذين سبقوا في كلامه، وهم: ابن عباس والربيع وقتادة): إن جبرائيل كان يأتي النبي صلى الله عليه وآله في صورة الآدميين، فسأله النبي صلى الله عليه وآله أن يريه نفسه عليه السلام على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء.
9376- تكملة الفقرة 9375: إلى آخر ما هنالك من القضايا المشابهة لما ذكرنا، وهي كما ترى لا تدل على أنه كان ينزل دائما على صورة دحية الكلبي، لكنه قد روي عن حذيفة بن اليمان حديث لا يبعد أن يستفاد منه العموم، وهو أنه قال: إن الناس كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الحجاب إذا شاؤوا، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدخل أحد إليه وعنده دحية بن خليفة الكلبي. وعلى ما نقله في البحار في مورد آخر، قال حذيفة: وإني أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله يوما في حاجة فرأيت شملة مرخاة على الباب، فرفعت الشملة فإذا أنا بدحية الكلبي، فغمضت عيني فرجعت، قال: فلقيت علي بن أبي طالب عليه السلام فقال لي: يا عبد الرحمن من أين أقبلت؟ قلت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله في حاجة، فلما أتيت منزله رأيت شملة مرخاة على الباب، فرفعت الشملة فإذا أنا بدحية الكلبي فرجعت. قال: فقال لي علي عليه السلام: ارجع يا حذيفة إلى أن قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي من حجر من أخذت رأسي؟ وغاب دحية، فقال: أظنه من حجر دحية الكلبي، قال: أجل، فأي شئ قلت؟ وأي شئ قيل لك؟ قال: قلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد علي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين، فقال النبي صلى الله عليه وآله: طوبى لك يا علي، سلمت عليك الملائكة بإمرة المؤمنين. فالمستفاد منه أنه صلى الله عليه وآله قد منع الناس من الدخول عليه إذا كان دحية عنده، من جهة أنه لعله جبرائيل، فلا يليق، ولا ينبغي الدخول عليه وهو عنده فإذا فرض أن جبرائيل كان يتمثل أيضا بصورة شخص غير دحية فلابد من النهي أيضاً عن الدخول على النبي صلى الله عليه وآله إذا كان ذلك الشخص الذي يحتمل أنه جبرائيل عنده. وإذا أضفنا إلى ذلك كله ما ورد في ترجمة دحية فإنه يحصل لنا الاطمئنان بأنه كان دائما يأتي على صورة دحية إلا مرتين. قال في الإصابة: وكان (أي دحية) يضرب به المثل في حسن الصورة، وكان جبرائيل ينزل على صورته، جاء ذلك في حديث أم سلمة، ومن حديث عائشة، وعن الطبراني من حديث عفير بن معدان عن قتادة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: كان جبرائيل يأتيني على صورة دحية الكلبي.