ديمقراطية گلك (56)

( نسخة “شلع قلع” من أثينا إلى بغداد)

ضياء المهندس

قبل الانتخابات،
تخرج علينا شخصيات سياسية بوجوهٍ حزينة وكأنها تحذر من غزو فضائي، لتقول إن هناك أموالًا خارجية تُدفع لدعم شخصيات معينة “لخدمة مشاريع مستقبلية”.
ثم ينهون التصريح ويغادرون بسياراتٍ مصفحة ثمن الواحدة يكفي لبناء حيٍّ كامل من بيوت الفقراء الذين سيُباع صوتهم لاحقًا بخمسين ألف دينار ووجبة دجاج.
في مرحلة الانتخابات،
تتحول الديمقراطية العراقية إلى موسم تنزيلات شعبية.
مرشح يوزع بطانيات، وآخر يوزع كارتات تعبئة، وثالث يوزع وعودًا بحجم سد الموصل.
أما “الخمسين ألف”، فقد أصبحت من ثوابت العملية السياسية، مثل العلم والنشيد الوطني وانقطاع الكهرباء.
صار الناخب يدخل المركز الانتخابي وهو يسأل: “وين الجماعة اللي يدفعون أكثر؟” وكأنها بورصة طماطم لا انتخابات مصير وطن.
ثم تأتي مرحلة ما بعد الانتخابات…
وهنا يبدأ السيرك الحقيقي.
مبعوث يدخل، مبعوث يخرج،
جنرال يهبط، سفير يقلع،
واجتماعات تُعقد في الخليج وتركيا وعواصم لا يعرف المواطن العراقي حتى طريقة لفظ أسمائها، لتحديد أسعار الوزارات:
النفط بكذا،
المالية بكذا،
والخدمات مجانًا لأنها أصلًا لا تعمل.
أما الشعب، ذلك الكائن الأسطوري الذي يُقال إنه “مصدر السلطات”، فيجلس أمام التلفاز كالمشاهد الأخير لفيلم طويل يعرف نهايته مسبقًا.
الشعب اختار إياد… فطلع نوري.
اختار نوري… فطلع العبادي.
اختار العبادي… فطلع عادل.
اختار عادل… فطلع مصطفى.
اختار الصدر… فطلع محمد.
واختار محمد… فطلع علي.
حتى الناخب نفسه بدأ يشك أن صوته يذهب إلى “سنترال تحويل” وليس إلى صندوق اقتراع.
الصورة المعلقة في الخلفية هي للفيلسوف اليوناني كليسثينيس، الرجل الذي أسس مفهوم الديمقراطية قبل أكثر من 2500 سنة في أثينا، حين قال إن الشعب هو من يختار مصيره، لا النبلاء ولا العوائل ولا أصحاب النفوذ.
لكن يبدو أن الرجل، وهو يتابع أخبار الديمقراطية العراقية من عالم البرزخ، دخل في حالة انهيار عصبي حادة، ثم انفجر باكيًا وهو يقسم بقسم خاچية التاريخي:
“وروح جدتي نوفة… أني أسست الديمقراطية، مو الكاكيستوقراطية!”
فالذي يحدث هنا ليس “حكم الشعب”، بل النسخة العراقية المطورة من حكم الأسوأ: تتبدل الوجوه،
وتبقى الخزينة مفتوحة،
ويظل المواطن واقفًا بطابور المولدات ينتظر دولةً تأتي… كل أربع سنوات… على شكل بوستر انتخابي.